وقتَ الإذْنِ، ولا تدخلوها إلاّ غير ناظرين )) [1] .
فوَرَد عليه أنْ يكون استثناء شيئين: وهما الظّرفُ والحالُ بأداةٍ واحدةٍ، وقد منعه النّحاةُ أو جمهورُهم [2] .
والظاهر أنّ الزمخشريَّ ما قال ذلك إلاّ تفسير معنى، وقد قدّر أداتين، وهو من جهة بيان المعنى.
وقوله: (وقع الاستثناءُ على الوقت والحال معًا (من جهة الصناعة؛ لأنّ الاستثناءَ المفرَّغَ يعمل ما قبله فيما بعده، والمستثنى في الحقيقة: هو المصدر المتعِلّق بالظرف والحال، فكأنّه قال: لا تدخلوا إلا دُخولًا موصوفًا بكذا.
ولستُ أقول بتقدير مصدرٍ (هو (عاملٌ فيهما، فإنّ العملَ للفعل المفرَّغ، وإنّما أردتُ شرح المعنى، ومِثْلُ هذا الإعرابِ هو الذي نختارُه في مِثْلِ قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} (آل عمران: 19) أي: إلاّ اختلافًا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم [3] ، فالجار والمجرور (والحال ( [129/ب] ليسا مستثنيين بل يقع عليهما المستثنى، وهو الاختلاف، كما تقول: ما قمتُ إلاّ يومَ الجمعةِ ضاحكًا أمامَ الأميرِ في داره، فكلُّها يعمل فيها الفعلُ المفرَّغُ من جهة الصناعة [4] ، وهي من جهة المعنى كالشيء الواحدِ؛ لأنّها بمجموعها
(1) ينظر: الكشاف 3/ 244، وانظر: البحر المحيط 7/ 237، والدر المصون 9/ 138.
(2) تنظر المسألة في: الأصول 1/ 283، وشرح التسهيل 2/ 292، والارتشاف 3/ 1520، والمساعد 1/ 569، وتعليق الفرائد 6/ 61.
(3) الوجه الإعرابيُّ الذي اختاره السُّبكيُّ في تخريج الاستثناء في هذه الآية هو مذهب العكبريّ وغيره. ينظر: التبيان 2/ 1060، وانظر: الفريد 1/ 448، 554. وقد ردّه أبو حيّان والسمين الحلبيّ، ينظر: البحر المحيط 2/ 146، 427، والدر المصون 2/ 377، و 3/ 90.
(4) قال ابن مالكٍ في الاستثناء المفرَّغ:
وإنْ يُفرَّغْ سَابقٌ (إلاّ) لمَا ... بعدُ يكنْ كَما لَوِ (الاّ) عُدِما
قال ابن الناظم في (شرح الألفيّة 299) : (( يعني: وإن يُفرَّغ العامل السابق على(إلاّ) من ذكر المستثنى منه للعمل فيها بعدها بطل عملها فيه، وأُعرب بما يقتضيه ذلك العامل. والأمر كما قال: فإنّه يجوز في الاستثناء بـ (إلاّ) بعد النفي، أو شبهه أن يُحذف المستثنى منه، ويقام المستثنى مُقامه، فيعرب بما كان يعرب به دون (إلاّ) ، لأنّه قد صار خلفًا عن المستثنى منه، وأُعطي إعرابه ))وانظر: شرح الكافية الشافية 2/ 707، وشرح ابن عقيل 1/ 548، وضياء السالك 2/ 182.