قد تجلب العولمة التباين الاجتماعي، وتكوين الهوية الجديدة عن طريق الردود المتباينة من الجماعات المحافظة، والمتحررة المعاصرة، وربما تكون هذه الردود عناصر مهمة في عملية العولمة الثقافية بشكل عام يعتمد عليها الأفراد في فهم الأشكال الثقافية الحديثة وتكوين الهوية المستجدة. وتختلف خبرات عولمة الممارسات الثقافية والخطابية، وإجراءتها من منطقة إلى أخرى، ففي أمريكا اللاتينية مثلًا توجد عولمة الممارسات داخل أمريكا اللاتينية، كما توجد عولمة صادرة عن سيطرة الدول المتقدمة على الممارسات الخاصة بأمريكا اللاتينية (Fairclough) . وتشهد على هذا الاختلاف التنقلات الإقليمية للممارسات الثقافية والخطابية في أوربا الغربية، ومحاولات جعل السويد مركزًا إقليميًا بديلًا عن الولايات المتحدة. ونلحظ في العالم العربي تأثيرًا سافرًا على الممارسات الثقافية التي تقترب من الثقافة الغربية، أو التي تحايد اتجاه انتشارها، أو التي تنحاز إلى القولمة بالسعي الحثيث نحو التعريب الكامل، أو ما تؤدي إليه القولمة من الحوللة المتمثلة في محاولات الأقلية العرقية واللغوية إحياء ثقافاتها ولغاتها، والمطالبة بحقوق ممارستها. ونجد"غزوًا"لغويًا قادمًا من اللغتين الإنجليزية والفرنسية في إطار عمليات العولمة. ولهذه المظاهر جميعًا تأثير على الممارسات المتبادلة بين الأقطار العربية.
إن تنوع اللغات والثقافات ثروة بشرية، وكنز يستحق الحفاظ عليه لتحقيق الأهداف التربوية، والسعادة، والفائدة الاقتصادية، ولكن نقطة الإزعاج في العولمة تنامي الثقافة الأحادية العالمية بوساطة وسائل الإعلام الدولية الغربية وشبكة العلاقات والاتصالات العامة التي تحاول بجد تشكيل كيفية لبس الناس، وطريقة أكلهم، وعيشهم، والنمط المعرفي والفكري لديهم، وتحاول تجريد أغلبية البشرية عن هويتهم الثقافية، وقدرتهم على تشكيل مصيرهم بأنفسهم في هذا النظام المعولم. وإن العاقبة الوخيمة التي يخشى منها هي وجود عالم تستعصي السيطرة عليه، أو التحكم في شؤونه أو توجيه أحداثه [1] .
فما الداعي إذًا للثقافة العالمية القادمة؟ والحال أنها بدأت تشيع في كل دول العالم وهي أمريكية الطبع، وأغلب مقوماتها متصلة بالاستغلال التجاري للأذواق والرغبات في مجتمع يتحول تدريجيًا إلى ذرة واحدة، وشعور الجمهور فيه متجاهل، بدلًا من التعبير الصادق للاحتياجات الاجتماعية والثقافية. يضاف إلى ما سبق تخطيط الدول المستعمرة لسيطرة لغاتها في مستعمراتها ومزاحمتها للغات المحلية الأم، إذ لم تكن الثنائية اللغوية من خطتها.
وليس الحديث عن اللغة العالمية مجرد أوهام وأمان. فمتحدثوا اللغة الإنجليزية يرون أنها ترقى إلى مستوى اللغة العالمية لأنها شائعة الانتشار، ومستعملة لدى عدد كبير من الشعوب مقارنه بغيرها من اللغات. ويرى متحدثو اللغة العربية أنها لغة عالمية، وإن لم يكن القصد بالعربية العالمية أن تكون لغة الناس قاطبة في هذه المعمورة. ولعل مما ساعد العربية، وبخاصة ... الفصحى، على تحقيق هذا الانتشار أنها لغة القرآن الكريم، وأنها متصلة الاستعمال عبر مراحل الزمن المتعاقبة، وأداة وصل حقيقية بين الإنسان العربي المعاصر وبين تراث أمته عبر القرون الماضية. ومن مظاهر عالميتها تأثيرها على عدد من لغات الشعوب المسلمة، وكتابة بعض