الصفحة 85 من 118

وبما أن أغلب مقومات الثقافة العالمية في الألفية الميلادية الثالثة متصلة بالاستغلال التجاري للأذواق والرغبات، وبتجاهل التنوعات الإنسانية، وبما أن أصحاب اللغة العربية الأصليين مستهلكون، في الغالب، غير فاعلين في البناء الحضاري المعاصر، كما ينبغي، فمن الممكن الخدش في هويتهم اللغوية والثقافية، وإحداث التأثير السلبي على استعمال اللغة العربية، ونشرها، وتعليمها داخل البلاد العربية وخارجها.

يوجد تحدٍّ آخر في إمكان المحافظة على المحتويات الثقافية للغة العربية في ظروف العولمة الثقافية واللغوية، وإمكان الإسهام في البناء الحضاري الإنساني، أو الإفادة منه دون التضحية بالخصائص الثقافية واللغوية العربية الإسلامية، ولا يغني في الحفاظ على هذه المحتويات والخصائص الوقوف عند تعريب المعلومات الوافدة من الثقافات الأجنبية، أو الكفاح في وصف الآلات والأجهزة واقتراح الأسماء للمخترعات، فتانك وسيلتان لتمكين مستعملي اللغة العربية من متابعة تطور المعلومات وتقدم التخصصات العلمية، فإذا وقفت العملية عند حدّ التعريب، فلا نكون قد فعلنا أكثر من نقل الممارسات الثقافية، والمقومات الفكرية الأجنبية إلى اللغة العربية، وأتحنا الفرص بكل مقدراتنا ومواردنا لمزاحمة المحتويات والخصائص الثقافية اللغوية العربية الإسلامية.

يمثل التخفيف من تبعات هيمنة اللغة الإنجليزية بوصفها"لغة عالمية"أو"معولمة"تحديًا آخر للغة العربية في الوظائف اللغوية التربوية، والنفسية والفكرية، ومثلها الفرنسية. لقد غدت إجادة اللغة الإنجليزية أو الفرنسية"ميزة"للمتحدثين باللغة العربية في المجال العلمي، والفكري وأصبحت الإحالة على المراجع الأجنبية، وإقحام المصطلحات الأجنبية دليلًا على سعة الإطلاع في التخصص. وتبوأت اللغة الأجنبية مكانًا خاصًا في السياسة التعليمية في كثير من الدول العربية، واعتبرت مادة أساسية في المراحل التعليمية الأولى، والجامعية، ولم تنج المؤسسات التعليمية الإسلامية من ذلك. وغدا التعايش مع اللغة الإنجليزية أو الفرنسية عاديًا لدى الإنسان العربي، ونشأ الطفل العربي على تمجيد اللغة الإنجليزية بصفة خاصة.

وتمثل ثورة المعلومات المرتبطة بالعولمة تحديًا آخر للغة العربية في توفير المعلومات عن اللغة العربية، ومتكلميها، وثقافتها، ولهجاتها عبر الإنترنت والبث الفضائي باللغة العربية، وبلغات أخرى عند الضرورة. ومن وثم تأثير سلبي آخر في التعامل مع الإنترنت على الإجادة اللغوية العربية؛ إذ أن أغلب برامجها مصممة حاليًا في اللغة الإنجليزية، أو على الأحرى، بلغات ليست عربية. ولتقنية المعلومات من طرف آخر تأثير سلبي على المهارة الكلامية والفصاحة اللغوية، وتحسين الخط العربي؛ إذ يجد الطفل العربي بديلًا عنها بالتعامل الكتابي الذي قد يكون باللغة الإنجليزية لدى إجادته لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت