إن انتشار الممارسات الأجنبية الشائعة في الخطاب الاجتماعي، والثقافي، والفكري العربي تحدّ آخر من العولمة في تشكيل مفاهيم مستعملي اللغة العربية. فقد لا يكون واقعيًا إنكار حدوث تطور في مفردات اللغة العربية وأساليبها، بيد أنه لا يليق أن يكون معظم مظاهر هذا التطور من إملاء خارجي ولا يحسن أن يشيع استخدام أساليب إنجليزية أو فرنسية في أصوات وصيغ وقواعد نحوية عربية، كما لا يعقل أن يكون الخطاب العربي صدى للخطاب الغربي. ولكن الواقع أن أصبح التخلي عن استعمال اللغة العربية، واستبدال لغة أجنبية بها (وبخاصة الإنجليزية في المشرق العربي، والفرنسية في المغرب العربي) سمة من سمات العصر لدى العرب ثنائيي اللغة بإحدى هاتين اللغتين، وبخاصة في الدراسات التخصصية العلمية والبحث العلمي. وأكثر من ذلك عقد الاجتماعات والمؤتمرات في البلاد العربية بلغات أجنبية بغير حاجة ما سوى اشتراك عدد قليل جدا من أهل تلك اللغات. وأصبح تفضيل اللهجة العامية على الفصحى هواية لدى دارسي العلوم العربية خارج العالم العربي [1] . ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى. قال: فمن" [2] .
ليست خطة العولمة اللغوية بخافية في إيجاد لغة عالمية للاتصال الدولي، وللتعامل بين الناس قاطبة، وقد وجدت أبحاث جادة تساند موقع اللغة الإنجليزية وأهليتها للوظيفه الاتصالية والثقافية العالمية، ولم ترض العولمة باختيار لغة مصطنعة محايدة ثقافيًا، أو مجردة عن ملامح ثقافية، على الرغم من صعوبة إيجادها. ولم يكن من بديل سوى إحدى اللغات الطبيعية مع التغاضي عن خصائصها الثقافية المحلية، أو الإقليمية، وهي الإنجليزية في هذا الصدد. وهيمنة اللغة الإنجليزية تستلزم الاستعمار اللغوي"الجديد"بتبعاته الثقافية، والدينية. وقد بذلت في إطار العولمة جهود جبارة في تيسير تعليم اللغة الإنجليزية وتعلمها، والتعامل التجاري والثقافي بها في مجالات متنوعة، وفي تخليصها من التعقيدات القاعدية والأسلوبية. ولا شك أن الارتقاء باللغة العربية إلى مستوى منافس للغة الإنجليزية في العالم الإسلامي تحدًّ كبير ومكلف، بل إنه"مستحيل"في الوضع الراهن. إذ أصبحت الإنجليزية مؤسسة إلى حد لا يمكن أن ينظر إليها بأنها ملك لدولة بعينها، ولا يمكن إيقافها في صدارتها العالمية إلا إذا حدثت ثورة قوية تغير مراكز القوة العالمية [3] .
تواجه اللغة العربية في تعاملها مع العولمة مشكلة المقاومة الداخلية للتطور اللغوي (أو التحديث اللغوي) من قبل المحافظين الانتقائيين. إن العربية المعولمة لا بد أن تكون عربية ميسرة في ألفاظها وتراكيبها وقواعدها، قادرة على استيعاب التنوعات الثقافية الإسلامية، والتنوعات اللهجية الداخلية، مؤهلة للعطاء الفكري المعرفي، والثقافي والتجاري، وهي كلها قضايا تجاوز المسائل التقليدية في الأبحاث اللغوية العربية المحافظة. ومن الضروري تسوية الانقسامات، واستتاب الإنجازات الداخلية قبل أن تتأتى الإنجازات الخارجية العالمية. ومن المؤسف أن اللغة
(1) - الملا، محمد علي، اللغة العربية: رؤية علمية وبعد جديد، زهراء الشرق، القاهرة،1995،33 - 41.
(2) - صحيح البخاري، ك 42 - أحاديث الأنبياء، حديث 3197.