كان الصغاني من كبار اللغويين في القرن السابع الهجري، إن لم يكن أكبرهم. وقد أفنى عمره في جمع كتب اللغة، وتحصيل ما اشتملت عليه من لفظ غريب، أو تعبير فريد، ووضع في ذلك كتبًا شتى تدل على سعة الاطلاع، وامتداد آفاق البحث، والإحاطة بأَطرافه. وقد تتبع ما أَلف من المعاجم والمراجع اللغوية تتبع الفاحص القدير، والناقد البصير. ومن مؤلفاته في اللغة: العباب الزاخر، الذي وصل فيه إلى مادة (ب ك م) ولم يتمه، وكتاب الأضداد، وأسماء الأسد وأسماء الذئب، والنوادر في اللغة، ومجمع البحرين والانفعال، والشوارد، وما بنته العرب على فعال، ونقعة الصديان فيما جاء على الفَعَلان، ويفعول إِضافة إلى كتابه الذي نحن بصدد دراسته فيما يلي من بحث، ونعني به كتاب التكملة والذيل والصلة.
الكتاب
جمع الصغاني في كتابه الذي سمّاه"التكملة والذيل والصلة"ما فات الجوهري في كتابه"صحاح اللغة وتاج العربية". وقد سار في ترتيب المواد اللغوية فيه بحسب الحرف الأخير من الكلمة فالأول فالأوسط، وذلك على نظام الباب والفصل، كما فعل الجوهري في الصحاح، والفيروزابادي في القاموس المحيط وغيرهما.
ويقع كتاب التكملة في ستة مجلدات ضخمة. وقد ربا عدد المصادر التي أفاد منها الصغاني، في أثناء تأليف هذا الكتاب، على أكثر من ألف مصدر من مصادر غريب الحديث، وكتب اللغة والنحو، ودواوين الشعراء وأراجيز الرجّاز، والكتب المصنفة في كثر من الموضوعات المختلفة، وغيرها الكثير من كتب اللغة والمعاجم والتراجم.
ومهما يكن من أَمر، فان هذا الكتاب التراثي الكبير يعدّ من المعاجم اللغوية المهمة. وقد اتّخذناه، مع غيره من المعاجم الأخرى، مادة للتدريس لطلبتنا بقسم اللغة العربيّة وآدابها، في مرحلتي الليسانس والدراسات العليا.
وقد لفت انتباهنَا، ونحنُ نقلِّب صَفَحاتِ هذا المعجم الكبير، ونطالعُ ما ورد فيه من درس أدبي ولغوي ودلالي، عَبْرَ سنواتٍ طويلة من الدرس والتدريس- أَننا أمام معجم ضخم امتلأ بكمِّ هائلٍ من الشواهد الشعرية والرجز. ولكن الذي شدّنا كثيرًا هو أَنّ جانبًا لا يستهان به من تلك الشواهد قد لحقها، أو لحق بَعْضَها، على وجه التحديد، شيءٌ غَيْرُ قليلٍ من آفات التحريف والتصحيف، والخلل في الوزن العروضي، وعدم الدقة في رسم بعض البنى الواردة فيها وضبطها، فضلًا عن الاختلاف في الرواية عما جاءت عليه تلك الشواهد في دواوين أصحابها، أو مواضع الاستشهاد بها في مظانّها الأدبية واللغوية المختلفة، وهو ما حَرَصَ على التنبيه عليه كلٌّ من المؤلف في متن الكتاب، والمحققين في حواشيه.