الصفحة 2 من 17

والبدء باللغة يعني التمسّك بها أصالة وتحديثًا؛ حيث الأصالة لا تعني الانغلاق والانقطاع عن العالم، بل تعني المعرفة العلمية التي هي إدراك الأشياء وتصوّرها كمًا ونوعًا، واستخلاص موجباتها واستئصال نقائصها. وحيث التحديث الذي هو خوض معركة العصر بكل تجلياتها المعرفية فكرًا وإنتاجًا.

وإذا عدنا إلى ماضي اللغة العربية نجده غنيًا ومنتجًا، وكان له الحظوة في كل إبداع، وهذا لا يعني العيش في كنف (كان أبي) وهو ما أمقته، بل إنّ العودة إليه لاستكناه تاريخنا علّه يكون المهتدى للتفعيل في عصرنا كما فعّل أولونا. كما أنّ التاريخ عامة كان سجلًا لجملة المعارف التي يقصد بها الكشف عن الجيّد منها وتحسينه، وعن الرديء لاجتنابه. وكان التاريخ العربي الإسلامي حافلًا بالإبداع، وهذا الماضي كان يرتكز على عبقرية اللغة العربية في لسانها وتطبيقاتها التي استوعبت أدقّ العلوم التقنية، والدليل ما أنتجه ابن الهيثم وابن حيان وابن سينا والرازي. وإنّ الشهادة الدامغة حول ذلك العصر يؤخذ من علماء غير عرب؛ فهذه العالمة زيغريد هونكة في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) تقرّ بعظمة العلوم العربية وتأثيرها على الغرب. وقال يومها: لقد أصبح شبابنا لا يعرفون من اللغة اللاتينية شيئًا وهم عاجزون عن قراءة صفحة واحدة من الكتاب المقدّس، ويتباهون بكتب العرب يحملونها تحت إبطهم ويتكلّمون بها في الأسواق. وكان في ذلك الوقت أنّ المثقف العالمي هو من يجيد اللغة العربية، ولذلك أحرق الأسبان الكتب العربية في الساحات العمومية كي لا تنافس كتبهم. ولكن ذلك زمان قد ولّى فما حال اللغة العربية الآن، وماذا قدّمنا تجاه الأمة العربية التي تنظر بعين التقديس لهذه اللغة؟ وماذا تقدّم اللغة العربية في عصر التقنية أمام اللغات الحيّة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت