إنّ التنويه بعمل ابن مضاء لا ينبع من تبنيه الدعوة لتجديد النحو وتيسيره أو الإيمان بما آمن به ابن مضاء بل يرجع إلى أن أقوال المحدثين تبحث على أساس تسند نفسها إليه لتستمد عمقا تراثيا هي في حاجة إليه وكأنه إذا قال أمرا لم يقله القدماء أو بعضا منه يرتج عليه في المحافل العلمية، أو أن تهوّن بعض تلك المحاولات بربطها بـ (الرد عل النحاة) .
لقد كان الأستاذ إبراهيم مصطفى صاحب أول محاولة رصينة للتجديد وقد وسم د. طه حسين كتابه بـ (إحياء النحو) ، وقد أضفى المنهج الوصفي الذي اعتمده الجدة على ما قدّمه، وإن كانت بعض الأفكار قد سبقه القدماء بها.
إنّ إدراك مفهوم التيسير يعدّ من أساسيات نجاح مهمة الميسر، ولقد أضحى التيسير والإصلاح ملبسا وملتبسا وفي ذلك قال بعض الباحثين: (( ذلك لأنه لم يفصل فصلا ً حاسمًا ... بين النحو بوصفه دراسة علمية تحليلية لظاهرة إنسانية ذات أبعاد مشكلة؛ هي الظاهرة المسماة اللغة، ولا علاقة لذلك بأمر تعليمها للناس لغة ثانية ولا لغة أولى، والنحو بوصفه تدريس اللغة وتلبية رغبة من يريد أن يتعلم لغة قوم هم العرب، أما النحو الذي من النوع الأول فلا مدخل أصلا لتيسيره وتسهيله، لأن المعنيين به ليسوا من الطلاب، ولا المختصين به من المعلمين. وسيبويه ليس معلما ... وأما النحو بالمعنى الثاني وهو المقصود بجهود التيسير فهو علم لم يوجد بعد، وكان حريا به أن يكون موجودا، أو في سبيل إيجاده على الأقل، فهو علم آخر ينبغي له أن يكون بمثابة ما يعرف اليوم بـ (( علم اللغة التطبيقي ) )أو ما يسمى (( اللسانيات التطبيقية ) )التي هي ثمرة لعلم اللغة العام )) [1] . على أن في النوع الثاني يمكن تيسيره، وذلك باختيار المنهج المناسب لتحليل اللغوي وليس كما يقول الباحث بأنه لا مدخل لتيسيره. إن التيسير يمكن أن يكون على مستويات متعددة نجملها بـ:
1 -مستوى اختصار المادة وتبسيطها على نحو ينسجم ولغة العصر وأمثلته.
2 -مستوى الأصول المعتمدة في تحصيل قواعد النحو وتفريعاته، وتفاصيل مسائله. بما فيها المنهج المعتمد للدراسة.
3 -مستوى تعليم اللغات لغير الناطقين بها.
وتعد محاولة الأستاذ إبراهيم مصطفى من المحاولات التيسيرية على المستوى الثاني التي قد لم تصل إلى غايتها من إحياء النحو وإصلاحه وتطويره وتجديده، وبيانًا للحقيقة فإنه (( لاشك في أن أجرأ الأصوات التيسيرية للنحو في الثلث الأول من هذا القرن هو صوت العالم الجليل الأستاذ إبراهيم مصطفى في كتابه القيم(إحياء النحو) الذي أصدره عام 1937 م، وكان بحق قفزة في المنظور النحوي الصادق في دعوته إلى التجديد، وطموحه إلى التيسير، في مجالات محددة، حاول من خلال بحثها نفض الغبار عن التراث العربي في النحو وإعادة الأصالة إليه في كشف علل الإعراب وفلسفة العامل، ونقد المذهب النحوي في العامل )) [2] . ويقول د. أحمد مطلوب: (( وقد أثار هذا الكتاب ضجة وحمل الأزهريون وغيرهم على مؤلفه، وألفت كتب في الرد عليه أهمها كتاب(النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة) للأستاذ محمد عرفة، وعقد الأستاذ عبد المتعال الصعيدي في كتابه (النحو الجديد) مقارنة بين الكتابين )) [3] .
(1) اللغة والكلام في الثراث النحوي العربي: 92.
(2) نحو التجديد في دراسات الكتور الجواري: 23.
(3) نحو التيسير: أحمد مطلوب (بحث منشور)