الصفحة 13 من 14

المبحث الثالث: دلالة الحركات على المعاني في النحو العربي

لقد جرى وصف إحياء النحو بالمحاولة الرائدة على الرغم من وجود محاولات سابقة للتجديد والتيسير، ولكن هذه المحاولة تعدّ الرائدة لخروجها من الإطار التعليمي للنحو إلى المساس شيئا ما بأصول النحو والإفادة من الاستقراء، وإعادة النظر إلى ما روي عن العرب لتلمس ما يؤيد الرأي الجديد!! زيادة على ابتعاده عن الفلسفة والعلل المنطقية. وفي هذا الصدد أشاد د. مهدي المخزومي بعمل أستاذه قائلا: (( فتحت هذه المحاولة أفقا جديدا في الدرس النحوي، وكانت محاولة تستنهض الهمم لقيام بمحاولات جدية أخرى ) ) [1] ؛ وقال عنه تلميذه د. عبد الستار الجواري حين قارن بين آراء ابن مضاء القرطبي وآراء أستاذه (إبراهيم مصطفى) في كتابه (إحياء النحو) فألمح إلى سذاجة الفكرة عند ابن مضاء القرطبي وأصالتها عند إبراهيم مصطفى فقال: (( وبيانًا للحقيقة نقرر أن الجهد الأصيل في هذا الباب يقوم على(إحياء النحو) فهو الذي فتح مغاليق هذا الباب، وهو الذي أنار للأذهان سبيل الخوض فيه )) [2] .وقد كانت خطوة يجب أن تخطى.

على أن إحياء النحو بمعنى من المعاني بقي في ساحة النحو التقليدي فعملية الاستدراك على النحاة بنتائج لبعض ما رووه في كتبهم من شواهد يجعله غير بعيد عن النحو القديم. زيادة على أن الفكرة الأساس في الكتاب وهي دلالة العلامات على المعاني كانت قد استقرت في النحو العربي منذ أمد طويل ولاسيما عند رضي الدين الأستراباذي (ت 688 هـ) في شرحه لكافية ابن الحاجب (ت 646 هـ) ، وسيأتي الكلام عنها قريبا. وسنحاول أن نجمل مواضع النقد في النقاط الآتية وبالقدر الذي يتعلّق بالعلامات الإعرابية:

أولًا: لقد رأى إبراهيم مصطفى النحو قانون تأليف الكلام، ونوه بعمل أبي عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) ؛ وبعبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) ما جعلنا منتظرين أن يظهر شيء منها في كتابه، لاسيما ما يتعلق بنظم الكلام وتعالق الكلمة بالأخرى، فيكون فهم الجملة ووظائف المفردات في الجملة قائم عل قرائن دلالية (أو سياقية) ، مع قرينة العلامة الإعرابية. وهي قرينة جزئية من قرائن المعنى النحوي ولعل التوجه إلى تعالق المفردات في الجملة يمثل إحياء للنحو أشدّ من إحياء العلامات الإعرابية.

ثانيا: وما عدّه إبراهيم مصطفى من نتائج نظراته في تتبع الكلام العربي واستقرائه فيما يخصّ دلالة العلامات الإعرابية على المعاني النحوية لا يعدو كونه غمطا لجهود علماء متقدمين بارزين ومنهم الزجاجي، والزمخشري وقد بلغت أوج التمام على يد العلامة رضي الدين الإستراباذي (ت 688 هـ) في شرحه كافية ابن الحاجب وذلك في بدايات كتابه. وقد كان هذا الكتاب أحد مصادر إحياء النحو ولكن لم يشر إلى جهده قال الرضي: (( الرفع علم كون الاسم عمدة الكلام، ولا يكون في غير العمد. والنصب علم الفضلة في الأصل ثم يدخل في العمد تشبيهًا بالفضلات ... أما الجر فعلم الإضافة أي كون الاسم مضافًا إليه معنىً ولفظًا ) ) [3] .

فالعمدة ما كان من أركان الجملة وهي: المبتدأ والخبر والفاعل فهو يشمل ما ذكره في إحياء النحو الرفع الضمة علم الإسناد لا تخرج عن كونه مسند ومسندًا إليه، وهي وظائف المبتدأ والخبر والفاعل،

(1) مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو:402.

(2) نحو التيسير: عبد الستار الجواري 23.

(3) شرح الكافية: 1/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت