الصفحة 5 من 14

المبحث الأول: أثر الإعراب في الإبانة عن المعاني النحوية

الإعراب في الأصل هو الإبانة عما في النفس وهو مصدر الفعل (أعرب) ومعنى أعرب: أبان يقال: أعرب الرجل عن حاجته أي أبان عنها. جاء في (أسرار العربية) : (( أما الإعراب ففيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون سمي بذلك لأنه يبيّن المعاني مأخوذ من قولهم: أعرب الرجل عن حجته إذا بيّنها ومنه قوله(صلى الله عليه [واله] وسلم) :"الثيب تعرب عن نفسها"؛ أي تبين وتوضح ... فلما كان الإعراب يبين المعاني سمي إعرابًا. والوجه الثاني أن يكون سمي إعرابًا لأنه تغير يلحق أواخر الكلم من قولهم:"عربت معدة الفصيل"إذا تغيرت. فإن قيل: العرب في قولهم: عربت معدة الفصيل معناه الفساد فكيف يكون الإعراب مأخوذًا منه؟ قيل: معنى قولك: أعربت الكلام أي أزلت عربه، وهو فساده وصار هذا كقولك: أعجمت الكتاب إذا أزلت عجمته وأشكيت الرجل إذا أزلت شكايته ... وهذه الهمزة تسمى همزة السلب. والوجه الثالث أن يكون سمي إعرابًا لأن المُعرِب للكلام كأنه يتحبّب إلى السامع بإعرابه من قولهم: امرأة عروب إذا كانت متحببة (إلى زوجها ) )) [1] .

وجاء في (الإيضاح في علل النحو) : (( الإعراب أصله البيان يقال: أعرب الرجل عن حاجته إذا أبان عنها، ورجل معرب أي مبين عن نفسه ومنه الحديث"الثيب تعرب عن نفسها ...". هذا أصله ثم إنّ النحويين لما رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركات تدل على المعاني وتبين عنها سموها إعرابًا أي بيانًا وكأن البيان بها يكون ... والإعراب الحركات المبينة عن معاني اللغة. وليس كل حركة إعرابًا، كما أنه ليس كل الكلام معربًا ) ) [2] ؛ وهذا المعنى اللغوي للإعراب هو الأصل للمعنى الاصطلاحي النحويّ، فالإعراب (( هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه وشكر سعيدًا أبوه علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ولو كان الكلام شرجًا واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه ) ) [3] . وإنما أُتي به للفرق بين المعاني وإذا أخبرت عن الاسم بمعنى من المعاني المفيدة احتيج إلى الإعراب ليدل على ذلك المعنى [4] .

ويرى جميع النحويين أن العرب جعلت هذه الحركات دلائل على المعاني ليتسعوا في كلامهم وليقدموا الفاعل إذا أرادوا ذلك أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه وهذا مذهبهم جميعًا إلا أبا علي قطربًا (( فإنه عاب عليهم هذا الاعتلال وقال لم يعرب الكلام للدلالة على المعاني والفرق بين بعضها وبعض وإنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف فلو جعلوا وصله بالسكون أيضًًا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل فكانوا يبطئون عند الإدراج فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلنا التحريك معاقبًا للإسكان ليعتدل الكلام ... وقال المخالفون له ردًا عليه لو كان كما ذكر لجاز جر الفاعل مرة ورفعه أخرى ونصبه وجاز نصب المضاف إليه لأن القصد في هذا إنما هو الحركة تعاقب سكونًا ليعتدل بها الكلام فأي حركة أتى بها المتكلم أجزأته فهو مخبر في ذلك وفي هذا فساد للكلام وخروج عن أوضاع العرب وحكمة نظمهم في كلامهم ) ) [5] .

وقد ذهب الأستاذ إبراهيم انيس مذهب قطرب حيث يقول: (( لم تكن تلك الحركات الإعرابية تحدد المعاني في أذهان العرب القدماء كما يزعم النحاة بل لا تعدو أن تكون حركات يحتاج إليها في الكثير من

(1) أسرار العربية: 18 - 19.

(2) الإيضاح في علل النحو 91. وينظر: الخصائص:1/ 35 ـ 36، همع الهوامع: 1/ 13.

(3) الخصائص 1/ 35. وينظر: معا ني النحو:1/ 23.

(4) ينظر: المفصل: 1/ 84.

(5) الإيضاح في علل النحو 69، وما بعدها. وينظر: معاني النحو 1/ 24 ـ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت