الأحيان لوصل الكلمات بعضها ببعض )) [1] .وكون الإعراب علمًا على المعاني هو الرأي المقبول الواضح البين إذ لو كانت الغاية منه الخفة عند درج الكلام ما التزمته العرب هذا الالتزام. ومن أوضح الأمور على هذا أنه لو قرأ احد قوله تعالى: { .. أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ... } [التوبة 3 [بالجر لاختل المعنى وفسد. وقيل إن حادثة كهذه وأمثالها هي التي أدت إلى وضع النحو[2] .
لقد بدا إبراهيم مصطفى شديد الحماس بأن يكون كتابه إحياءً للنحو من بعد موته الذي هو القالب التقليدي الذي أخذه عن المتأخرين الذين لم يروا من النحو إلا الكلمة وإعرابها وشروط ذلك الإعراب من الوجوب والجواز والمنع. ومن تحمس الأستاذ الشديد أن عجّل ما رآه من تتبعه الطويل (هكذا قال) في الكلام للبحث عن معانٍ للعلامات الإعرابية وعرضه في المقدمة ما توصّل إليه في طيات كتابه، فقال: (( لقد أطلت تتبع الكلام أبحث عن معانٍ لهذه العلامات الإعرابية، ولقد هداني الله ... وله خالص الإخبات والشكر إلى شيء أراه قريبًا وأبادر إليك الآن بتلخيصه:(1) إن الرفع علم الإسناد ... (2) إن الجر علم الإضافة ... (3) إن الفتحة ليست بعلم على إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة التي يحبّ العرب أن يختموا بها كلماتهم ... (4) إن علامات الإعراب في الاسم لا تخرج عن هذا ... )) [3] . ولو كانت هذه العلامات زائدة من دون معنى لما أبقت عليها العربية، وهي لغة الإيجاز والقصد ولتخلصت منها كما تخلصت من أشياء كثيرة سواء في تراكيبها أو صيغها أو اشتقاقاتها.
وبعد أن يجمل فكرته في المقدمة يأتي بعد مباحث قليلة من كتابه تعد تمهيدًا منهجيًا لكتابه يفرد مبحثًا خاصًا لـ"معاني الإعراب" [4] ، يستهدي فيه بما قرره في مبحث سابق:"أن من أصول العربية الدلالة بالحركات على المعاني" [5] ، ولو أنها لم تكن كذلك ما رأينا العرب يلتزمون بها, وتكون هذه له موطئًا في تصوير المعاني؛ وإلا فإننا كنا سنراهم يتعاملون معها كما تعاملوا مع التاء عند إلحاقها بالوصف لتدل على التأنيث. وإذا اقتصر هذا الوصف على المؤنث فهم يحذفونها ويحذفون من الجملة ما دل عليه دليل، سواء أكان حرف معنى أم كلمة: اسمًا أو فعلًا؛ واحدة أو أكثر. كما أنهم قد يعاملون حركات الإعراب هذه المعاملة فيجرون الأصل السابق في حذف الزائد عند أمن اللبس, كما قال ابن مالك في الكافية الشافية:
ورفع مفعول به لا يلتبس ... ونصب فاعل، أجز، ولا تقس [6]
وإذا كان ابن مالك قد رأى أجازة ذلك دون قياسهم عليه بمعنى أن هذهِ الظاهرة النحوية غير مطردة، ومن ثم لا يقاس عليها فإن بعض علماء الأندلس وهو ابن الطراوة رأى أن ذلك يمكن القياس عليه لأنه من المأثور اللغوي، وورد في القراءات السبع، فقد قرأ ابن كثير المقرئ بمكة بنصب (آدم) ورفع (كلمات) قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آَدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ فَتَابَ عَلَيْهِ} [سورة البقرة 37] مع أنّ قراءة المصحف برفع (آدم) ونصب (كلمات) .
ولهذا قال إبراهيم مصطفى: (( وإذا وجب أن ندرس علامات الإعراب على أنها دوال على معانٍ وأن نبحث في ثنايا الكلام عما تشير إليه كل علامة منها. ونعلم أن هذه الحركات تختلف باختلاف موضع الكلمة من الجملة وصلتها بما معها من الكلمات، فأحرى أن تكون مشيرة إلى معنى في تأليف الجملة وربط الكلم وهو ما نراه ) ) [7] . ولبيان صحة ما سبق فإنه يجمل ما رآه ثم يأتي إلى تفصيله ومناقشته في أبواب النحو بابًا بابًا.
(1) أسرار العربية 158، وينظر: 142 منه.
(2) ينظر: الكشاف:2/ 27.
(3) إحياء النحو: - المقدمة: (و - ز) .
(4) ينظر: إحياء النحو: 48.
(5) إحياء النحو: 48.
(6) شرح الكافية الشافية لابن مالك: 2/ 612.
(7) إحياء النحو: 49.