ويرى الأستاذ إبراهيم مصطفى أن المطابقة العددية كانت الأصل في العربية ثم خصصت بالمسند إذا تأخر لتكون إشارة إلى المسند إليه المتقدم وبقي من ذلك آثار من لغات اليمن وأمثلة نادرة في لغات العرب ومن أمثلة في القراّن الكريم والحديث الشريف وفي شيء من أشعار المضريين [1] .
بقي أن يشير الأستاذ إلى بابين من المرفوعات لا يدخلان تحت الأصل المقرر (المسند إليه) وهما المنادى (الفضلة) في بعض حالاته ومنصوب إن وأخواتها.
يقول إبراهيم مصطفى: (( فأما المنادى فليس بمسند إليه ولا بمضاف، فحقه النصب على الأصل الذي قررنا ) ) [2] ؛ ويرى أن التوفيق كان حليف النحاة في قولهم بالبناء على الضم ههنا.
هو منصوب مع أنه متحدث عنه, فحقه الرفع على ما أصَّله؛ قال: (( ولا نتحرج أن نقول: إنّ النحاة قد أخطأوا فهم هذا الباب وتدوينه، ثم تجرأوا على تغليط العرب في بعض أحكامه كما سترى ) ) [3] . وقال: (( ومع ما نعرفه لسيبويه رحمه الله من إجلال يملأ القلب فإنا هنا نراه قد أخطأ وخطأ صوابًا. قد يستطيع أن يرد ّبعض ما سمع من العرب، ويسهل عليه أن يُخطئ مُحدِّثًا فيما روى، فماذا يصنع بالآية الكريمة ) ) [4] .
وهو بذلك يشير إلى الآّية (63) من سورة طه بقوله تعالى: (( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) )فقد قرأ جمهور القراء إلا حفصًا بتشديد (إنَّ) وألف (هذان) . وجاء في الحديث: (( إن من اشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون ) ). وعطف عليه بالرفع في قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ... ) ) [المائدة 69] ، وفي بعض القراءات: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... ) ) [الأحزاب 56] وجاء في شعر بشر بن أبي حازم:
وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمُ ... بُغاةٌ مَا بَقِينا في شِقَاقِ
وعند سيبويه أنهم يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإني وزيدٌ ذاهبان. وقد مضى البصريون إلى تأويل الآية إلى الكريمة إلى أبعد مدى وقد قبله غيرهم من أئمة النحو كالكسائي والفراء.
ويرى إبراهيم مصطفى إن اسم إنّ في (إنّي) ليس منصوبًا في الأساس بل أنه مرفوع وحقه الرفع ولكن غلب عليه النصب من حيث أن أكثر استعمالات (إنّ) أن يأتي بعدها ضمير نصب بدل ضمير الرفع، وذلك باستقراء مواضع إنّ في القرآن؛ ويعلل هذا الميل بأنّ ضمير الرفع خصّ بما بعد الفعل واختاروا المتصل دون المنفصل لداعي الحس اللغوي، لأنه أحب إليهم من استعمال المنفصل لاسيما عند كثرته، أما بعد (لولا) فقد يأتي ضمير رفع وهذا حقه، وقد يأتي ضمير نصب ولا يفسره كما يرى إلا هذا الحس اللغوي نحو وصل الأداة بضمير النصب [5] . ومن كثرة ضمير النصب هذا بعد (إنَّ) توهموا أن موضع اسم (إنّ) هو النصب فلما جاء الاسم الظاهر نصبوه أيضا. ثم قال: (( وهذا موضع دقيق في العربية ولكنه صحيح مطَّرد عند الاختبار، أثبته النحاة وسموه الإعراب على التوهم ) ) [6] .
(1) ينظر: إحياء النحو: 58 - 60.
(2) إحياء النحو: 61.
(3) إحياء النحو: 64.
(4) إحياء النحو: 66.
(5) ينظر: إحياء النحو: 68 - 69.
(6) إحياء النحو: 70.