فهرس الكتاب
حيث المجهول الذي ينتظر هناك، خلف تلك الجبال الشاهقة، التي تفصل القبائل البشتونية عن وطنها الأم أفغانستان ويتردد السؤال مرارًا .... (أمن الممكن أن يكون هناك بقية من بشر تنصرك وتؤازرك وتشد من عضدك بعد ان خذلك القريب والبعيد وتخلت الدنيا كلّها عنك ... ؟) .
لم يطل كثيرًا الجواب عن ذاك التساؤل، فقد كان حاضرًا منتظرًا أن تطأ الأقدام تلك الجبال الأبية، التي تحتضن بين سُفوحها وعلى قممها قبائل وزير ستان (وزير ـ مسعود ـ دَوَر) ، وما أن وطأت الأقدام تلك الربوع حتى بدت معالم الجواب جلية لا لبس فيها، رجالٌ يرسمون لك معالم تلك النماذج السامقة، التي رباها المربي الأول محمد صلى الله عليه وسلم، رجالٌ يطاولون الجوزاء عزة، ويسامون السحاب أنفة، ويقارعون الشامخات الراسيات بأسًا ...
جادوا بالغالي، والنفيس نصرة للمهاجرين اليهم، القادمين من هناك من بعيد ... ، الفارين بدينهم في زمن عزّ فيه النصير والمعين.
احتضنت تلك الروابي الطيبة المعطاءة قوافل المهاجرين إليها، كمحطة أُولى للإنطلاق من هناك، كلٌ الى وجهته المقصودة.
توالت الأيام مسرعة على غير عادتها، وآذنت لنا برحيل عن تلك الربوع الزاخرة بالجواهر النفيسة، والمعادن الكريمة ...
فقد انهى أبو زبيدة عمله هناك بعد شهرين من الوصول، حيث أشرف بنفسه واطمأن على وصول قوافل المجاهدين الى أماكن اكثر أمنًا.
تجهز أبو زبيدة وتلك الكوكبة التي ترافقه، وأعدوا عُدة الرحيل حيث الخطا تسوقنا مسرعة الى تلك الأقدار التي أرادها الله لهذه الثلة المهاجرة. وفوق بحور من المخاطر والعقبات، انطلق الركب شاقًا طريقًا له بين الجبال والوهاد، مسابقًا الزمن للوصول الى هناك، حيث المدنية الزائفة التي تبهر اللاهثين وراءها بلا توقف، سراب خادع، وماءٌ أُجاج كلما شربت منه ازددت عطشا.
لم يزر مخيلتي والحافلة تشق زحام المدنية الزائفة سوى ذاك الحلم العطر الذي ما زال يُرفرف بنسماته العذبة الوادعة، وأنواره المتلئلئة في رحاب أُفقي الجلي الرحب.
أفغانستان ذاك المجد العتيد، والقلعة الحصينة التي تكالبت عليها أُمم الصليب، وأذنابه من المرتدين لتطفئ شعلتها المتقدة، التي أنارت دياجير الظلام للباحثين عن درب الخلاص.
حُلم يراود كل مؤمن، وقد عاد شعاع التوحيد يسطع من جديد فوق رواسي خراسان، مغيبًا بخيوطه الذهبية سوط الظلام الدامس الى غير عودة.
ومع بزوغ خيوط الفجر الأولى، وصلت الحافلة الى مقصدها حيث العالم الجديد القديم لاهور.
وبخطا ًواثقة يغلفها بعض الحذر، سار بنا الدليل شاقًا طريقًا له بين صفوف المتوجهين كلٌ الى غايته ...