فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 64

وصلنا المنزل المعد بعناية لاستقبالنا، حيث الوجوه الجديدة التي لم نعتد على ملاقاتها منذ زمن ليس بالقصير، فقد اختفت معالم الرجولة التي ألفناها هناك في عرين الأسود أفغانستان ... ، ولكن لم يكن أحد يملك الخيار كان لا بد من صنع ذلك ....

اذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها

في تلك الأيام تسابقت الوجوه الممثلة لإحدى أكبر الجماعات الإسلامية في باكستان للإحتفاء بنا، وتمت تلك اللقاءات بسرية تامة، ومن بين تلك الوجوه القادمة من بعيد، كان هناك شخص يتفرس الوجوه بعناية بحثًا عن وجه آخر، ربما اعتاد أن يراه هناك في المجلات والصحف ... ، لم يكن يريد ذاك الشخص أحدًا سوى أبي زبيدة الغائب الحاضر، الذي تخلف عنّا في احدى المدن القريبة لانشغاله بترتيب بعض الاعمال هنا وهناك.

في خضم ذلك اليوم لم يكن أمامي سوى خيار الكتابة لأبي زبيدة محذرًا إياه من خطورة قدومه إلينا في هذا الوقت الدقيق، والحرج من وصولنا الى الباكستان.

دارت رحى الزمن مسرعة، وكان اللقاء بأبي زبيدة حيث أطلعته على الأمر، وبدا الجواب واضحًا على محياه تقرؤه من ابتسامته المعهودة .... (لا داعي للقلق يا ابا عبيدة إن الأمر أهون من ذلك أحسبهم حريصين فقط على ملاقاتي ... )

ومضت تلك الحادثة، كغيرها من الحوادث التي اعتدنا على مثيلاتها أثناء هذه المسيرة المباركة.

تتابعت عجلات قطار الأحداث مسرعة، لتتوقف بنا في ليلة ظلماء من ليالي لاهور، فقد كانت السيارة التي يرتادها أبو زبيدة على موعد مع خفافيش الظلام"الشرطة الباكستانية"التي أوقفتها للتحقق من هوية راكبيها الذين بدت ملامحهم وألسنتهم مغايرة تمامًا لما اعتادت عليه أبصار وأسماع هؤلاء الرعاع.

لم يطف بمخيلة أحدهم أن هذا الشخص الماثل بين أيديهم في هذه الساعة المتأخرة من هذا الليل البهيم هو أبو زبيدة المطلوب حيًا أو ميتًا للكثيرين في هذا العالم ... ، موقف في غاية الخطورة، لا أتصور أحدًا يرغب به في هذا الزمن، الذي انتكست فيه الكثير من القيم الإنسانية.

كان العلاج الأوحد والأنجع والأنسب لمثل هذه الحالة، هو حفنة من الدولارات التي يسيل لها لعاب الكثير من قطاع الطرق في باكستان ... وبالفعل تم الأمر كما تمناه أبو زبيدة، ومن ثمّ تابع الركب مسيرته الى حيث المبتغى.

أفلت شمس لاهور بعد ان أمضينا فيها قرابة الشهر والنصف، وتوجهة القافلة هذه المرة الى مدينة فيصل آباد، المشهورة بصناعاتها النسيجية حتى غدا اسمها مانشستر باكستان على غرار المدينة البريطانية المشهورة بالنسيج مانشستر.

وصلت الحافلة التي تقلنا الى المنزل المخصص لنا في منتصف الليل تقريبًا، وعلى إثر ذلك أخذ كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت