فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 64

إن حقيقة الإيمان لا تظهر ولا تتضح معالمها كاملة في الجماعة المؤمنة، إلا بعد الابتلاء والامتحان، حتى يعرف كل شخص مدى قدرته، ومدى تحمله ومدى طاقته في مواجهة الأحداث الجسام، ومدى ثباته في مواجهة العواصف الهوجاء، وحتى تعرف الجماعة المؤمنة مدى تماسك لبناتها في أول صدام تخوضه مع الباطل ومع الجاهلية الضاربة الأطناب.

ففي خضم المعمعة، ومقارعة الأهوال تتميز الصفوف، و تظهر الطاقات وتبرز القيادات، وتظهر النفوس الضعيفة وتعرف مدى ضعفها، وتظهر النفوس المنافقة وتتميز عن الصف المؤمن، والله ـ سبحانه وتعالى ـ يعلم بعلمه السابق ما سيكون يعلم من المنافق عديم الإيمان الذي يعمل في الجماعة المؤمنة، ويتستر بالإيمان لتحقيق أطماعه الشخصية الآنية، ويعلم

المؤمن الذي يعمل من أجل نصرة دينه والتمكين لعقيدته في الأرض، فقد قدّر الله ـ عز وجل ـ وقوع الابتلاء حتى نطلع نحن أنفسنا على الحقيقة المغيبة، وتتكشف لنا خبايا وخفايا النفوس، وبذلك تتميز الصفوف المؤمنة عن الصفوف المنافقة.

ويريد سبحانه ايضا أن يُربي الفئة المؤمنة من خلال التضحيات التي تقدمها ومع مكابدتها للصعاب، وخوضها للأهوال يصلب عودها وتسموا نفوسها، وتتجرد من حظوظها، فتكون بذلك مؤتمنة على دين الله، وقادرة على حمل تكاليفه وقيادة البشرية من جديد.

ولقد شاء الله ـ عز وجل ـ أن يكون صلاح هذه الحياة الدنيا قائمًا على سُنة التدافع بين الحق والباطل قال جل جلاله {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} .... لأجل هذه السنة الثابتة، كان لا بُدَ من وقوع الصراع والمواجهة والصدام، بين الحق وأهله من جهة، وبين الباطل وزمرته من جهة أُخرى، ومع بداية الابتلاء والزلزلة لأهل الحق يبدأ التمحيص، فيسقط من يسقط ... ويخون من يخون ... ويتاجر من يتاجر ... ويصطفي الله من يشاء من عباده الأخيار ليكونوا بجواره شهداء

على الناس بدمائهم التي بذلوها لنصرة دين الله، عندما تراجع من تراجع، وسقط من سقط، وتخاذل عن نصرة دين الله من تخاذل ... وتثبت فئة قليلة لا يغريها متاع الدنيا الزائل ولا حطامها الفاني، حتى يأذن الله لها بالتمكين، ويجعلها ستارًا لقدره يفعل بها ما يشاء ... بعد أن تكون قد نضجت وتجاوزت الاختبار، وسمت نفوسها لخالقها، وتجردت من كل شيء ... وقدمت كل شيء ... {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا باَياتنا يوقنون}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت