الصفحة 28 من 42

لقد كانت مناورة انحياز القاعدة من المكلا نموذجًا للتعبير عما أريد بيانه .. فقد تحولت المنظومة بكامل ثقلها وقواتها من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية بسرعة ومهارة فائقة الدقة فبدا وكأنهم قد اختفوا في الهواء .. وحينما زال خطر المواجهة تحولوا للحالة السائلة التي نحتت عند هطولها صخور الأرض وتربتها مشكلة الوادي الذي يناسبها ولا يسمح بحصارها .. لتنساب منه بلا صخب بمرونة وخفة عند الحاجة .. إنها حالة زئبقية .. تعاود التقدم باتزان وحكمة من محاور عدة لتتحد بانسجام تام عند الهجوم .. وتنسل منتشرة مرة أخرى بمهارة وإبداع وجمال بعد الفراغ منه ..

لقد كان توفيق الله عظيمًا .. وكانت القيادة بارعة وعلى مستوى الصراع ..

يكمن جوهر الإستراتيجية في البحث عن أفضل الأساليب والطرق والأدوات لتحقيق الأهداف .. أما عمق التفكير الاستراتيجي يجعلك في وضع تمتلك فيها خيارات تفوق خيارات العدو .. فبدلا من أن تكون مقلدًا لخطة سبق تنفيذها في مناخ مشابه من خلال قائد ماهر تمثل لك الخيار الوحيد .. فإن إحسان التوكل على الله يمنحك التوفيق للتفكير السليم والعميق ويجعلك قادرًا على اللجوء إلى خيارات أخرى بحسب الظروف .. تكرار الخطط يعتبر تصرف مبرمج لسلوك دروب سارت عليها معارك سابقة؛ سبل إجهاضها أو إفشالها معروفة سلفًا ومبرمجة أيضا في عقلية العدو .. التصرف السليم يعتمد على قدرة القائد على تجاوز التقليد إلى الاجتهاد ..

القدرة على رؤية الصورة الكاملة للساحة الحقيقية للصراع (معرفة العدو المباشر .. الأرض .. المناخ .. إمكاناتنا .. الحلفاء .. الأدوات المتاحة أمام الطرفين .. موازين القوة في الدوائر الثلاث .... الخ) تساهم في بناء الاستراتيجية السليمة .. وعبقرية القائد تتعدى معرفة وفهم نفسية القائد المقابل والقدرة على التنبؤ الصحيح باستراتيجيته إلى ابتكار استراتيجية تمنح جنوده خيارات تتفوق على حيل أعدائهم ..

ومهارة القائد تتعلق برد الفعل السليم والسريع أمام تصرفات العدو الاستراتيجية أو الميدانية المفاجئة .. الذي يمنحه هذا التفوق تحليلة لبنية الجيش وقولبتها بما يناسب أهدافه .. تقسيم الجيش لفرق أو ألوية مستقلة ومكتفية ذاتيا تمنح القائد الأعلى الليونة وتفتح أمامه مجالًا أوسع للمناورة .. كما تطلق يد القيادات التنفيذية لإخراج إمكاناتهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت