الصفحة 117 من 660

وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم رفع الصوت بالإهلال فقال الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بأن رفع الصوت مستحب غير واجب، وحملوا الأمر بالحديث على الندب، وجعلوا القرينة الصارفة للأمر عن الإيجاب هي المشقة، فإنه يشق على الحاج أو المعتمر أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال إلا إذا حمل الأمر على المرة الواحدة فحينئذٍ لا مشقة فيه، وذهب الإمام ابن حزم رحمه الله إلى وجوب رفع الصوت بالإهلال وقال بـ (المحلى) : ولو مرة واحدة، وهذا مبني على قاعدة أصولية بأن الأمر يصدق فعله ولو بمرة واحدة، وهذا صحيح، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بامر ولم يدل دليل على قصد التكرار فيصدق أداء الأمر بمرة واحدة، فعند القائلين مثلًا بوجوب متابعة المؤذن لقوله: «إذا أذن المؤذن فقولوا مثلما يقول» . متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، صدق حينئذٍ أداء الأمر بمتابعة مؤذن واحد.

وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابة: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» . رواه مسلم في صحيحه، أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر أن يؤدى مرة واحدة إلا أن الأقرع بن حابس قال: أفي كل عام يا رسول الله؟، ظن أن الأمر للتكرار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت: نعم لوجبت» ، فعلم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بالحج قصد المرة الواحدة، وأن الأمر إذا فعل مرة تم المطلوب ما لم تدل قرينة ظاهرة على قصد التكرار.

قوله: [أن يرفعوا أصواتهم] :

هذا أمر وهذا هو حجة ابن حزم بالإيجاب، أما الجمهور فحملوا الصيغة على الندب، والمراد بالإهلال بالحديث هو تعيين النسك بحيث يرفع صوته بما أهل به.

حين أهل ابن عمر قال: لبيك عمرة، رافعًا بها صوته، ويصدق لفظ الإهلال على التلبية، وهذا هو الذي فهمه غير واحد من الشراح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت