وتحريم المدينة بألا يقطع شجرها ولا يحدث بها حدث، ولا يقتل صيدها، إلا أن صيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد مكة ففيه الجزاء، والسبب في كون النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة لأنها صارت بلاد مُهاجره بعدما أخرج من مكة وكانت أحب البقاع إليه وهي أحب البقاع إلى الله وقد جاء في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصابتهم الحمى، ووعك بلال وأبو بكر الصديق ... الحديث، وفيه: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في مُدنا وصاعنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» .
قوله: «كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة» :
دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة بأن يبارك الله لهم في مُدهم وصاعهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» ، أي خير لهم في أمور دينهم ودنياهم. ومن ثم جاء عند الإمام أحمد والترمذي من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أكون له شفيعًا يوم القيام» .
وفي الحديث دليل على حب النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة حيث دعا لأهلها. وفيه دليل على فضل المدينة. وفيه دليل على بركة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لما سكن المدينة تغيرت بعدما كانت أرض الوباء لا خير فيها، فصارت أرض هجرة وأرض دين وأرض عقيدة، وإلا فكان سكانها قِلة وقل ما يسكنها أحد إلا أصيب بالحمى، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم حين قدموها أصيبوا بالحمى وكان بلال يبكي وينشد:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي وحولي اذخر وجليلُ
وهل أردنْ يومًا مياه مجنة ... وهل يبدونْ لي شامة وطفيل