فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 3166

وعلى العبد كذلك أن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا الله وحده، فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) } [غافر: 61] .

وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته شيء، وليس كمحبته محبة، والمحبة له، مع كمال الذل له، مع كمال التعظيم له، هي العبودية التي خلق الله الخلق لأجلها، ولا يصلح ذلك إلا لله سبحانه.

وحمده سبحانه يتضمن أصلين:

الأول: الإخبار بمحامده وصفات كماله.

الثاني: المحبة له عليها.

فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامدًا، ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامدًا له، حتى يجمع الأمرين.

والله سبحانه يحمد نفسه بنفسه كما قال سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1] .

ويحمد نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، فهو الحامد لنفسه بهذا .. وبهذا، فإن حمد الخلق له بمشيءته وإذنه، وخلقه وتكوينه.

فإنه سبحانه هو الذي جعل الحامد حامدًا، والمسلم مسلمًا، والمصلي مصليًا، والتائب تائبًا، وجعل من خلقه من يدعو إليه كما قال سبحانه عن آل إبراهيم: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) } [الأنبياء: 73] .

وكذا جعل سبحانه من خلقه من يدعو إلى النار كما قال سبحانه عن فرعون وجنوده: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) } [القصص: 41] .

وهو المحمود على هذا وهذا، وله الحكمة البالغة في جميع ذلك.

فهو سبحانه ذو الفضل والإحسان، منه ابتدأت النعم، وإليه انتهت، فابتدأت بحمده، وانتهت إلى حمده، فهو سبحانه الرحيم الذي ألهم عبده التوبة، وفرح بها، وأعانه عليها، وهي من فضله وجوده.

وهو سبحانه الذي ألهم عبده الطاعة، وأعانه عليها، ثم أثابه عليها، وهي من فضله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت