الصفحة 67 من 73

ومما يزيد الأمر وضوحًا: أن الآية التالية وهى الآية 88 من سور الحجر تقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إن الفترة التى منحها الله إياه أطول من الفترة التى منحت لأى رسول آخر: (لاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم ولا تحزن عليهم) !!

فسيادته يجعل الضمير فى (أزواجًا منهم) للمرسلين مثل موسى وعيسى!

هذا مع أن ما تدل عليه الآية بوضوح هو النهى عن التطلع إلى أصناف من الناس متعوا بأشياء لم يمتع هو بها من متاع الحياة الدنيا، فأما إذا كان ما عنده فوق ما عندهم، فلماذا يمد عينيه إليهم؟

وأين ذكر المرسلين فيما سبق حتى يعود الضمير إليهم؟

ولو أن صاحبنا فسر القرآن بالقرآن، ورجع إلى سورة"طه"الآية (131) لوجد فيها آية شبيهة بهذه الآية توضح المقصود منها تمامًا. قال تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) .

يقول ابن كثير في تفسير الآية: (أى استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية) (تفسير القرآن العظيم، دار المعرفة، بيروت 2/ 557) .

وقال الشوكانى: (لما بين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما أنعم عليه به من هذه النعمة الدينية نفره عن اللذات العاجلة فقال:(لا تمدن. . .) الخ أى لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمن لها) (فتح القدير 3/ 142) .

قال: (لما نهاه عن الإلتفات إلى أموالهم وأمتعتهم، نهاه عن الإلتفات إليهم فقال:"ولا تحزن عليهم"حيث لم يؤمنوا، وصمموا على الكفر والعناد) (فتح القدير 3/ 143) .

القصة التى ذكرها البيضاوى لا يحتج بها:

على أن القصة التى ذكرها البيضاوى (حاشية الشهاب على البيضاوى، المكتبة الإسلامية، تركيا 1/ 172) . وذكرها غيره أيضًا من المفسرين واستشهد بها صاحب المقال على أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أقر اليهود على ما فهموه من الحروف المقطعة في فواتح السور، وأنها تشير إلى مدة الرسالة المحمدية على طريقة"حساب الجمل"لأنه - صلى الله عليه وسلم - تبسم عند سماع قولهم، وتبسمه يدل على إقراره لهم!

هذه القصة من الناحية العلمية غير ثابتة، ولم ترو بسند صحيح أو حسن، بل بإسناد ضعيف لا يحتج به، ضعفه الحافظ ابن كثير في تفسيره (تفسير القرآن العظيم 1/ 38) والسيوطى في الدر المنثور (الدر المنثور 1/ 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت