أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب، وإنما بدأتها قريش، يقول الله تعالى: { وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ التوبة: 13 ] ، أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيل الله، وتعمل معهم بالمساواة، كل من الفريقين يعمل على شاكلته، فالعقد بوضع الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة والصد، ودليل على فشل من بدأ بالحرب وعلى ضعفه وانهياره .
أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام، فهو أيضًا فشل لقريش، وليس فيه ما يشفي قريشًا سوي أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط .
أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط، وهي ما في البند الرابع، ولكن تلك الخلة تافهة جدًا، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلمًا لا يفر عن الله ورسوله، وعن مدينة الإسلام، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهرًا أو باطنًا، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين، وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه، وهذا الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ) [1] وأما من أسلم من أهل مكة فهو وإن لم يبق للجوئه إلى المدينة سبيل لكن أرض الله واسعة، ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئًا ؟ وهذا الذي أشار إليه النبي بقوله: ( ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا ) . [2]
(1) ) صحيح مسلم باب صلح الحديبية (2/105)
(2) ) نفس المصدر .