فهرس الكتاب
قال أبو محمد وهذا أعظم حجة عليهم في إبطال التقليد لأن المفتين اختلفوا في تلك المسألة ورسول الله صلى الله عليه و سلم حي فأفتى بعضهم على الزاني غير المحصن بالرجم وأفتى بعضهم عليه بجلد مائة وتغريب عام فكان هذا التنازع لما وقع قد وجب فيه الرد إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فرد الأمر إليه فحكم بالحق وأبطل الباطل
وهكذا الأمر الآن قد اختلف المفتون حتى الآن في تلك المسألة بعينها فقال أبو حنيفة عليه الجلد ولا تغريب عليه حرا كان أو عبدا وقال مالك عليه الجلد والتغريب إلا أن يكون عبدا وقلنا نحن وأصحاب الشافعي عليه الجلد والتغريب على العموم عبدا كان أو غير عبد فوجب أن يرد هذا التنازع الذي بيننا إلى القرآن والسنة فوجدنا نص السنة يشهد لقولنا فوجب الانقياد له فهذا الحديث يبطل التقليد جملة ونحن لم ننكر فتيا العلماء للمستفتين وإنما أنكرنا أن يؤخذ بها برهان يعضدها ودون رد لها إلى نص القرآن والسنة لأن ذلك يوجب الأخذ بالخطأ وإذا كان في عصره صلى الله عليه و سلم من يفتي بالباطل فهم من بعد موته صلى الله عليه و سلم أكثر وأفشى فوجب بذلك ضرورة أن نتحفظ من فتيا كل مفت ما لم تستند فتياه إلى القرآن والسنة والإجماع
واحتجوا أيضا فقالوا إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا أسباب الأوامر منه صلى الله عليه و سلم وما خرج منها على رضا وما خرج منها على غضب فوجب اتباعهم في فتاويهم لذلك
قال أبو محمد فيقال لهم وبالله التوفيق إن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما بعث مبينا على كل من يأتي إلى يوم القيامة لا على أصحابه وحدهم فكل سبب من غضب أو رضى يوجب حكما فقد نقلوه إلينا ولزمهم أن يبلغوه فرضا بقوله صلى الله عليه و سلم ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فقد نقلوا كل ما شهدوه من ذلك إذا لم يكونوا في سعة من كتمانه وقد أعاذهم الله من ذلك ولو كتموا شيئا مما يوجب حكما في الشريعة مما سمعوا أو مما شاهدوا لاستحقوا أقبح الصفات وقد أعاذهم الله من ذلك ونزههم عنه فلم يقتصروا رضي الله عنهم على فتاويهم دون تبليغ منهم لما سمعوا منه صلى الله عليه و سلم وشاهدوه منه كما نقلوا إلينا غضبه على الأنصاري الذي أراد أن يقول بالخصوص في قبلة الصائم وغضبه على معاذ في تطويله الصلاة إذا كان إماما وغضبه على من