وجلّ في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء» ؛ قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم} [التوبة: 65، 66] ؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا» ، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله تعالى يقول: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين: 29 - 32] .؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون» ، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففين: 34] .؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار.
ومثال اتخاذ الآيات الكونية هزوًا: لو نزل المطر في أيام الصيف - وهذا لم تجر به العادة - فقال: «ما هذا التبديل! يوم أن يكون الناس محتاجين إلى المطر في الشتاء لا يجيء؛ والآن يأتي!» وهذا يمكن أن يوجد من بعض الفجرة الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ أو مثلًا يُغْلَبُ قوميون من العرب - تغلبهم اليهود مثلًا، فيقول المستهزئ بآيات الله الكونية: «ما هذا؟ كيف يكون النصر لليهود على العرب - على بني كنعان، وعدنان، وقحطان؛ كيف هذا وهم بنو إسرائيل؟!» وما أشبه ذلك؛ لكن المؤمن يستسلم لأمر الله عزّ وجلّ الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي؛ ويرى أنه في غاية الحكمة، وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه، وأن ما حدث فهو واقع موقعه، وأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن الله عزّ وجلّ حكيم؛ لا يصنع شيئًا إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآية الكونية يمكن أن يكون؛ وقد نهى الله تعالى أن تتخذ آياته هزوًا؛ وهو عام للكونية، والشرعية؛ لكن بما أن الآية في سياق الآية الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها بالآيات الكونية. اهـ (تفسير الفاتحة والبقرة -(3/ 130 - 132) - طـ/ دار ابن الجوزي)
فنسأل الله تعالى أن يباعد بينا وبين كل مستهزئ، وأن يجعلنا سيوفا مسلولة عليه، وعلى أمثاله من الذين {اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} [الأنعام: 70] .
قال المصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: