الصفحة 106 من 178

ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب بهم. اهـ (شرح صحيح البخارى -(9/ 442) - طـ/ مكتبة الرشد)

وهنا أمر يسأل عنه كثير من الناس وهو مسألة تغيير المخلوقات وتحولها بالسحر إلى أشكال أخرى كتحويل القط إلى كلب أو ماشابه هذا، فالذي نعتقده جزما هو أن الساحر لايستطيع هذا مهما بلغ علما في السحر دليل هذا قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 115، 116] .

وكذلك قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى. قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 65، 66] .

فهذه أدلة قاطعة على أن المجسمات لا تتغير ولا تنقلب بالسحر إنما بالتخييل للأعين بأنها تغيرت وتحولت وانقلبت إلى ما يراه الساحر والمسحور. والله أعلم

ولا يلتفت إلى ماذكره بعض المفسرين من إمكانية أن يقلب الساحر الإنسان حمارا أويقلب الحمار إنسانا، فهذا كله من الباطل الذي لادليل عليه لا من الكتاب ومن السنة، بل ما في الكتاب والسنة خلاف هذا. قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34] .

ومن أنواع السحر المذكورة هنا في هذا الناقض الصرف والعطف، وهما من المكفرات العملية، وأما من رضي بهذا فقد وقع في مكفر اعتقادي، والرضا له علامات من أبرزها الإقرار، والاستحسان.

والصرف أصله من الحبس، ويعمل غالبا للزوجين بقصد صرفهما ومفارقة بعضهما البعض، والعطف عكس الصرف، قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] .

ووجه كونهما من الشرك الأكبر اعتقاد النفع والضر فيهما دون الله تعالى، وينضاف إلى ذلك الاعتقاد في الساحر، كاعتقاد أنه يعلم بعض المغيبات.

أما حد السحر وحقيقته فيبين لنا هذا العلامة محمد الأمين الشنقيطي المفسر والمجتهد - رحمه الله - وذلك بقوله: واعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا. اهـ (أضواء البيان- 4/ 41)

وقال الإمام الطبري - رحمه الله: معنى السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته. اهـ (تفسير الطبري(2/ 446)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت