كذلك حاطب رضي الله عنه معلومة عداوته للكفار، ولم يكن يوما من أصدقائهم، وماكان يوما عميلا لهم، ولا كان رضي الله عنه داخلا في قوانينهم وأحزابهم ومحاكمهم والتي تسمى وزرا وبهتنا - الدولية والشرعية -، وماكان يوما مطيعا لأمرهم، وهو رضي الله عنه الذي قاتهلم ببدر وحنين. وقارعهم حتى لقي الله وهو على الإيمان وحسن الإسلام. فكيف بعد هذا تقاس واقعته بفعل الفسقة والمجرمين الظالمين المستبدين المتحكمين في رقاب وأعراض المسلمين، الذين لا يحركون ساكنا حين يسب النبي أو الرب أويستهزأ بالدين. بل تجدهم مع كل هذا لهؤلاء مصادقين، ولهم مسالمين، وللأوسمة الثمينة في رقاب الكافرين القتلة المحاربين لها معلقين.
وكذلك هذه الواقعة تم بيان حكم الله فيها من يومها وليلتها وفي ساعتها، وأما هؤلاء فليزالون إلى اليوم مظاهرين للكفار معاونين لهم بكل نوع من أنواع المعاونة فوق الثلاثين سنة.
كذلك حديث حاطب رضي الله عنه بمجموع ألفاظه ليس هو من النصوص القطعية أو المحكمة التي خصصت العمومات والشواهد القرآنية، والتي ليس فيها أي ذكر لقضية القلب أو الاعتقاد، ولم يعرف عن كل من تكلم فيها من السلف الصالح أنه قال هي ناسخة أو مقيدة لأطلاقات نصوص القرآن القاضية بكفر من وقع في مظاهرة الكفار أو موالاتهم.
وأما الاستدلال بها على رد المحكمات القاطعة في هذا وتقييدها بمحبة الكفر وأهله، فهو من قبيل سنة أهل الزيغ والضلال الذين قال الله فيهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] .
كذلك حديث حاطب رضي الله عنه بمجموع ألفاظه، وماكان من حكم عمر عليه رضي الله عنهم بأنه كفر، وأنه ارتد، وأنه نافق، وأنه ظاهر العدو، وأنه والاهم، وأنه يجب أن يقتل لهو من أبين الحق في هذا، إذ حكم عمر كان على ظاهر الواقعة، وهذا هو المتقرر عند الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ماكان عليه علماء السلف الصالح من إجراء وإسقاط الأحكام على الظاهر دون نظر في مافي القلوب من اعتقاد. وما أمر الحكم على المنافقين بالإسلام الظاهري عنا بمجهول، وقد كان هذا إلا بناءا على الظاهر، وإلا فهم من أهل الدرك الأسفل من النار، وذلك لما يبطنون من الكفرالمثمتل في الاعتقاد.
وفي صحيح البخاري - باب الشهداء العدول - أثر قوي مبين برقم: (( 2641 ) )عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنا نأخذكم الآن بما ظهر لنا من