وهذا الإعراض يقابله شيء واحد فقط وهو الإقبال بمعنى الإقبال على الدنيا، ويكون بالعكوف عليها وعلى زينتها علما وعملا وتعليما وحرصا، وبالرضى بما أوتي فيها، وبالاطمئنان لها وبها، ومن هذا حاله فلا شك في كفره وردته.
قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15، 16] .
وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة: 212] .
وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70] .
وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] .
وقال تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 2، 3] .
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 107] .
قال العلامة أبو المظفر السمعاني - رحمه الله: واعلم أن المؤمن يجوز أن يطلب الدنيا، ويطلب الآخرة، ولكن لا يؤثر الدنيا على الآخرة إلا الكافر. اهـ (تفسير السمعاني -(3/ 204) - طـ/ دار الوطن)
فأصل كل بلية الإقبال والحرص على مافي هذه الدنيا من المتاع الزائل، والسبب الرئيس لهذا الإعراض المقيت هو حب الدنيا والحرص كل الحرص على تعلم مافيها من العلوم بقصد العمل لها، وعدم الالتفاتة إلى تعلم أصل الدين الذي به تكون سعادة الدارين دار الدنيا االفانية والدار الآخرة الباقية.
فنسأل الله تعالى أن يباعد بيننا وبين حب الدنيا أو الاغترار بما فيها وأن يغرس في قلوبنا الاستعداد للدار الآخرة بالعلم النافع والعمل الصالح. آمين