الصفحة 158 من 178

والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - على منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمسألة العذر بالجهل، فلا يقول بالعذر بالجهل بإطلاق، وكذلك لا يقول بعدم العذر بالجهل بإطلاق.

قال العلامة المقريزي - رحمه الله - وهو يعدد أنواعا من المكفرات: لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة، ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليما {إِلَّا من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ} وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي قدمناه. اهـ (إمتاع الأسماع -(14/ 386)

وأما المكره حقيقة على قول الكفر أو فعله فقد عذره الله واسثتناه من حكم من يقع في الكفر الأكبر بإرادته واختياره، ولكن شريطة أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان كارها منكرا ما قال أو ما فعل من الكفر.

ومن العلماء كابن العربي المالكي - رحمهم الله - قد شددوا زيادة على اطمئنان القلب للمكره باللجوء أيضا الى المعاريض، بمعنى تحريف الكلام الكفري المأمور قوله إلى كلام آخر له معنى غير معنى قول كلمة الكفر.

قال العلامة ابن العربي - رحمه الله: وأما الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه وقلبه منشرح بالإيمان، فإن ساعد قلبه في الكفر لسانه كان آثما كافرا؛ لأن الإكراه لا سلطان له في الباطن، وإنما سلطته على الظاهر؛ بل قد قال المحققون من علمائنا: إنه إذا تلفظ بالكفر أنه لا يجوز له أن يجري على لسانه إلا جريان المعاريض، ومتى لم يكن كذلك كان كافرا أيضا.

وهو الصحيح؛ فإن المعاريض أيضا لا سلطان للإكراه عليها، مثاله أن يقال له: اكفر بالله، فيقول: أنا كافر بالله، يريد باللاهي، ويحذف الياء كما تحذف من الغازي والقاضي والرامي، فيقال: الغاز والقاض ذرة.

وكذلك إذا قيل له: اكفر بالنبي، فيقول: هو كافر بالنبي، وهو يريد بالنبي المكان المرتفع من الأرض.

فإن قيل له: اكفر بالنبيء مهموزا، يقول: أنا كافر بالنبيء بالهمز، ويريد به المخبر أي مخبر كان، أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر: فأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثب ولذلك يحكى عن بعض العلماء من زمن فتنة أحمد بن حنبل على خلق القرآن أنه دعي إلى أن يقول بخلق القرآن، فقال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور يعددهن بيده هذه الأربعة مخلوقة، يقصد هو بقلبه أصابعه التي عدد بها، وفهم الذي أكرهه أنه يريد الكتب الأربعة المنزلة من الله على أنبيائه، فخلص في نفسه، ولم يضره فهم الذي أكرهه. اهـ (أحكام القرآن لابن العربي -(3/ 160) ـ طـ/ دار الكتب العلمية)

وهذا القول الذي ذكره ابن العربي عن العلماء رحمهم الله فيه زيادة شرط ليس في الكتاب ولا في السنة، وهو أيضا من التشديد على المكره، إذ محل الحكم في هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت