ومناطه الذي يدور معه وجودا هو الاعتقاد الجاري حينها في القلب، نعم إذا كان المكره من العلماء بمرادفات كلمات اللغة العربية العريقة ومعاريضها والأمر ميسر له من جهة تأويل كلام الكفر فنعم، ومع هذا فإنه لايكفر إلا إذا اطمئن قلبه بالكفر وانشرح صدره به. والله أعلم
ويدل على هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في الحديث الذي حسنه غير واحد من أهل الاختصاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
فليس في الحديث ما ذهب إليه الإمام ابن العربي رحمه الله وغيره من أهل العلم في قضية المعاريض، هذا ولم يسمع مثل هذا الشرط زمن الأصحاب بالرغم من أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أهل لغة فصحة، وكذلك لم نسمع مثل هذا الأمر حينما وقع ما وقع لعمار رضي الله عنه. والله أعلم
وقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] .
قال العلامة ناصر السعدي - رحمه الله - عند تفسير هذه الآية من سورة النحل: يخبر تعالى عن شناعة حال {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} فعمى بعد ما أبصر ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر راضيا به مطمئنا أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم الذي إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وغضب عليهم كل شيء. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في غاية الشدة مع أنه دائم أبدا. و {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} حيث ارتدوا على أدبارهم طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه وزهدا في خير الآخرة، فلما اختاروا الكفر على الإيمان منعهم الله الهداية فلم يهدهم لأن الكفر وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ينفذ منها ما ينفعهم ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة وأحاط بهم الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، وعرضت عليهم فلم يقبلوها. {لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة وفاتهم النعيم المقيم وحصلوا على العذاب الأليم.
وهذا بخلاف من أكره على الكفر وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ راغب فيه فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك على أن كلام المكره على الطلاق أو العتاق أو البيع أو الشراء أو سائر العقود أنه لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر إذا أكره عليها فغيرها من باب أولى وأحرى. اهـ (تفسير السعدي -(صـ / 450)
وأما الأحكام المترتبة على الكفر والشرك ومن وقع فيهما فمنها على سبيل الذكر، البغض القلبي، والهجر البدني، والتكفير العيني، و ترك المناكحةوالموارثة، وترك النصرة، وإعمال البراءة من الكفر والكافر، وترك الصلاة خلفه وعليه،