الصفحة 21 من 178

المطولة والمختصرة إلا أن هذه النواقض العشرة المسطرة هنا تستطيع أن تقول عنها: هي أم النواقض، ورأسها، والمرجع إليها. وهذا ما استهل به المصنف رسالته قائلا: اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة.

وأما حكم معرفتها فهو من الواجبات على الأعيان كلهم جنيهم وإنسيهم، إذ بمعرفتها وإتقان أحكامها يكون المسلم موحدا حنيفا على البصيرة، وعلى الصراط الحق ماشيا.

والنواقض لسانا عربيا جمع ناقض، وهو المحبط، والمفسد، والمبطل لكل العمل صغيرا كان أو كبيرا قال تعالى: {وَلَاتَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] .

و {نقضت غزلها} : أي أفسدت غزلها، ودمرته تماما بعدما غزلته {من بعد قوة} : أي من بعد الإحكام والإتمام مع الإتقان، وذلك بالبرم. {أنكاثًا} : الأنكاث جمع نكث، وهو الغزل المنقوض وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام. ومنه عياذا بالله نكث العهد، أي نقضه، وعدم الوفاء به.

والإسلام هو الاستسلام لله تعالى بالطاعة، والانقياد له سبحانه بأنواع التوحيد كلها ركنا كانت أو أصلا، وعبادته مع الإخلاص فيها، والإيمان به اعتقاد و قولا وعملا، وتصديق أخباره والعمل بأحكامه، والإيمان بنبيه ورسوله وطاعته مطلقا واتباع سنتة كل هذا محبة، وتعظيما، وخوفا، ورجاء، ودعاء، وقبولا واستسلاما.

قال سيد قطب - رحمه الله - عند قوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين} : إنه لا سبيل مع هذه النصوص المتلاحقة لتأويل حقيقة الإسلام، ولا للي النصوص وتحريفها عن مواضعها لتعريف الإسلام بغير ما عرفه به الله، الإسلام الذي يدين به الكون كله. في صورة خضوع للنظام الذي قرره الله له ودبره به. ولن يكون الإسلام إذن هو النطق بالشهادتين، دون أن يتبع شهادة أن لا إله إلا الله معناها وحقيقتها. وهي توحيد الألوهية وتوحيد القوامة. ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه. ودون أن يتبع شهادة أن محمدًا رسول الله معناها وحقيقتها. وهي التقيد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة، واتباع الشريعة التي أرسله بها والتحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد، ولن يكون الإسلام إذن تصديقًا بالقلب بحقيقة الألوهية والغيب والقيامة وكتب الله ورسله دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي، وحقيقته الواقعية التي أسلفنا، ولن يكون الإسلام شعائر وعبادات، أو إشراقات وسبحات، أو تهذيبًا خلقيًا وإرشادًا روحيًا دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر والإشراقات والسبحات، والذي تستشعر القلوب تقواه فتتهذب وترشد فإن هذا كله يبقى معطلًا لا أثر له في حياة البشر ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء. هذا هو الإسلام كما يريده الله؛ ولا عبرة بالإسلام كما تريده أهواء البشر في جيل منكود من أجيال الناس! ولا كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت