الصفحة 38 من 178

وعن هذه الشبهة يقول الاستاذ محمد رشيد رضا [1] - رحمه الله: مسألة التماس دفع الضر أو جلب النفع من غير الله استقلالًا أو بالوساطة والشفاعة - لم تكن لتترك فلا يبين حكمها في القرآن، وهي أصل الوثنية وأساسها في جميع الأمم، ولذلك فتن بها أهل الكتاب فاتخذوا وسطاء وشفعاء بينهم وبين الله تعالى غير وسطاء أجدادهم أو خلطائهم من الوثنيين فهم لا يخالفون الوثنيين في أصل هذه العقيدة وحقيقتها، وإنما خالفوهم في مظهرها وصورتها، إذ اعتقدوا الوساطة والشفاعة مثلهم وجعلوا لهم شفعاء ووسطاء من أنفسهم غير وسطاء أولئك وشفعائهم. أفرأيت دين التوحيد الخالص يسكت عن هذه المسألة ويدعها للفقهاء يحكمون فيها بقياسهم وهي تتعلق بأساس الدين وركنه الركين وهو التوحيد؟!. قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .أي أنهم باتخاذ الشفعاء يعبدون غير الله لأن هذا عين العبادة، ولكنهم يقولون: إن هذه شفاعة عنده فهي لا تخل بتعظيمه بل هي تعظيم لهم كما تعظم الملوك إذ لا يتجرأ الحقير على دعائهم إلا بواسطة المقربين عنده. اهـ (مجلة المنار -(2/ 353)

وقال العلامة المقريزي - رحمه الله: وشرك الأمم نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، ويشفعون لنا عنده وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله وتنص على أنهم اعداء الله تعالى. وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله. اهـ (رسائل المقريزي - صـ/90)

وأما صورة هذا النوع من النواقض فهي الاعتقاد في الأنبياء، أوالملائكة، أوالصالحون وذلك بجعلهم واسطة بين الله وبين العباد بقصد التشفع بهم عند الله تعالى لجلب المرغوب ودفع المرهوب، ويحصل بهذا طلبهم، أودعاؤهم، أوسؤالهم، لأجل أن يطلبوا لهم الله تعالى ويدعونه نيابة عنهم ليغفر لهم ذنوبهم، أوليعطيهم حاجتهم من جلب نفع أو دفع ضر، أو يسألونهم الشفاعة منادين المستشفع به: اشفع لي في كذا، فهذا الفعل وأشباهه هو عين الشرك الأكبر، وهو الكفر المخرج من ملة الإسلام.

(1) هو العلامة الكبير والاستاذ الموقر الجليل السيد محمد رشيد بن السيد علي رضا ذو الأصل البغداي، صاحب مجلة المنار الشهيرة، وصاحب الأيادي البيضاء على الأمة الإسلامية كلها، وهو أحد أبرز علماء عصره، تميز رحمه الله بالتحقيق والتصنيف، وكان من حسناته أنه من أوائل من بدأ بطباعة مراجع علماء الإسلام ولد عام (1282 هـ) ، ولمعرفة هذا الرجل الشامخ أنظر كتاب (منهج الشيخ رشيد رضا في العقيدة) ، توفي - رحمه الله -عام (1354 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت