الصفحة 43 من 178

بهذا التقرير الحاسم. {تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .. العزيز القادرعلى تنزيله، الحكيم الذي يعلم فيم أنزله، ولماذا أنزله، ويفعل ذلك بحكمة وتقدير وتدبير، ولا يتلبث السياق عند هذه الحقيقة طويلا، فهي مقدمة للقضية الأصيلة التي تكاد السورة تكون وقفا عليها والتي نزل الكتاب لتقريرها وتوكيدها. قضية توحيد اللّه، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، وتنزيهه عن الشرك في كل صورة من صوره والاتجاه إليه مباشرة بلا وسيط ولا شفيع. اهـ (فى ظلال القرآن ـ(5/ 3036)

وهذا النوع من أنواع الشرك الأكبر الذي هو اتخاد وسائط مع الله يعتقد زورا أنها تقرب إلى الله، وتشفع، وتملك بعض التصرف مع الله، وتعين، وتسمع فتجيب، وتدعو الله بالنيابة عن الداعين، وتحمي، وتجير وغير ذلك من دعاوى الواقعين فيه الزاعمين كل هذا الدجل والتخريف أصحابه مجانين قد فسدت فطرهم، وتلوثت عقولهم، ومرضت قلوبهم قد جانبوا الصواب من كل وجه، فأضحوا كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] ، وأما وجه كونهم مجانين وما ذكرت فذلك لما استقر في عقول أهل الإسلام، وأهل القرآن، وكل العقلاء، أن هؤلاء الموتى المدعوين مع الله لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا ولا عطاء ولا معنا، وهذا هو المقرر بشتى صور الإيضاح في غير ما آية في كتاب الله تعالى كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20، 21] .

وكما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 194، 195] .

هذا وقد أخبر الله تعالى في كتابه العظيم أن {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] . وقد نزلت هذه الآية في الأنبياء والملائكة، والصالحين، الذين ُعبدوا مع الله بغير رضاهم. وأوضحوا فيها بخبر الله عنهم أنهم يطلبون القرب من الله بأعمالهم الصالحة، ومع هذا فهم خائفون من الله وحده، راجين رحمة الآخرة منه سبحانه دون سواه.

وإليك أخي القارئ كلاما علميا رصينا في بيان معنى هذه الآية الكريمة السابقة الذكر وفي طياته بيان لمعنى الوسيلة الشرعية، إذ معروف أن بهذه الآية الكريمة يستدل بعض البلهاء بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين، وهذا الكلام العلمي هو للعلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ [1] - رحمهما الله- كان في معرض الرد

(1) هو العلامة الجهبذ والفقيه العالم عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية عام (1225 هـ) ، ودرس في الأزهر مختلف العلوم، كان عالمًا محققًا في العلم راسخا، وهو أحد أبرز علماء أئمة الدعوة النجدية المباركة، ترك مؤلفات ورسائل غاية في الدقة والتأصيل أبرزها كتاب"منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس"، توفي - رحمه الله - بالرياض سنة (1293 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت