الصفحة 44 من 178

على أحد المجادلين عن المشركين قال فيه: الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله، هي عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به، وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، كما في البخاري وغيره من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة من البر والعفة والأمانة. وكذلك ما شرع من واجب أو مستحب. قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} . وابتغاؤها بالقيام بما أمر به، وأحبه ورضيه، من الأعمال الصالحة. وأما دعاء غير الله فليس وسيلة شرعية، بل هو وسيلة أهل الشرك والجاهلية، من أعداء الرسل في كل زمان ومكان، والله لا يأمر بالشرك ولا يرضاه {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} . [الأعراف:29] . فكيف يتوسل إليه بالشرك به الذي هو أظلم الظلم، وضد القسط، والذي يمنع من إقامة الوجوه له عند المساجد، وهو -أي الشرك- حقيقة التوسل الذي قصده المشركون. قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} [الأحقاف:28] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . فهذا قد يسمى توسلًا، فإن لفظ التوسل صار مشتركًا، فيطلق شرعًا على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، .... ، ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات. والمراد بالآية هو الأوَّل عند أهل العلم والمفسرين، وأما التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بدون طاعتهم وبدون استغفارهم فهذا لم يشرع، ولا أصل له، فإن التوسل بالأنبياء مع معصيتهم ومخالفتهم في الدين والملة، قد دلت آية سورة التحريم على المنع منه، وعدم الانتفاع بالتعلق والقرابة والنسب والتوسل بذلك لمن لم يؤمن بما جاؤوا به من الهدى ودين الحق، وكذلك في الحديث لما أنزل عليه قوله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] . قال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا. وأكبر من هذا من يدعوهم، ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم بعبادتهم على أنها وسيلة له، وشفعاء، فإن هذا هو عين الشرك الذي ذمه القرآن وعابه، وإن سمي توسلًا. اهـ (تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس-(صـ / 140) - طـ/ دار العصمة)

هذا ومعلوم لكل ذي حجر من المسلمين أن الأعمال الصالحة هي التي تقرب إلى الله وليس الأولياء الموتى، أو الغائب من الملائكة، أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصدق هذا قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] .

وأيضا قول الله تعالى: {منْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .

قال العلامة رشيد رضا - رحمه الله: فتسمية هذه العبادة لغير الله توسلا في عرف بعض الناس لا يخرجها عن حقيقتها، ولا عن كون اسمها في اللغة العربية عبادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت