الصفحة 54 من 178

وما عطف عليها بيان لمعنى جملة {إنا برءآء} . وضمير {بكم} عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون الله، ويفسَّر الكفرُ بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم. وعُطف عليه {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا} وبدا معناه: ظهر ونشأ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرةً لا مواربة فيها، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب. وهو أقصى ما يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليَد لقلتهم وضعفهم بين قومهم. و {العداوة} المعاملة بالسوء والاعتداءِ. و {البغضاء} : نفرة النفس، والكراهيةُ وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذِكرهما معًا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم: حالة المعاملة بالعدوان، وحالة النفرة والكراهية، أي نُسِيءُ معاملتكم ونُضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك. والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس، فالمؤتَسَى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضُّوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية. اهـ (التحرير والتنوير -(28/ 144) ـ الطبعة التونسية)

إذن عدم اعتقاد كفر المشركين، أو ترك تكفيرهم مطلقا هو ناقض من نواقض الإسلام والإيمان، فلا يحتاج الأمر إلى كثرة استعراض للأدلة الشرعية، وهذه الأخيرة سأرجئ بيان بعضها حتى ختام هذا التسديد على هذا الناقض.

وكذلك الشك في كفر المشركين الأصليين، هو ناقض أيضا من نواقض الإيمان والإسلام. ومعنى الشك، هو التوقف الذي ليس معه يقين وجزم في حكم المشركين الأصليين، إذ حكمهم واضح في كتاب الله تعالى، وهو أنهم كفار مشركون كفرا وشركا أكبرا أصليا.

ومعنى تصحيح مذهبهم، فهو الاعتقاد أو القول أو الإقرار بصحة ما هم عليه من الكفر والشرك، وأن ما يعتقدون في الله وما يفعلونه من الطقوس والخرافات الباطلة هي كذلك دين وطريق توصلهم إلى الرب سبحانه وتعالى، فمعتقد هذا، أو القائل به في الكفر والكافرين، والشرك والمشركين هو كافر مثلهم ولا كرامة.

قال العلامة ابن باز - رحمه الله: والذي يعلم الكافر وما عليه من باطل ثم لا يكفره أو يشك في كفره، معناه أنه مكذب لله ولرسوله، غير مؤمن بما حكم الله عليهم من الكفر كاليهود والنصارى، فهم كفار بنص القرآن، ونص السنة، فالواجب على المكلفين من المسلمين اعتقاد كفرهم وضلالهم، ومن لم يكفرهم أو شك في كفرهم يكون مثلهم؛ لأنه مكذب لله ولرسوله شاك فيما أخبر الله به ورسوله، وهكذا من شك في الآخرة، شك هل هناك جنة أو لا، أو هل هناك نار أو لا، أو هل هناك بعث أو لا، وهل يبعث الله الموتى، فليس عنده إيمان ويقين، فهذا كافر حتى يؤمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت