والمقصود أن هذا الناقض من نواقض الإسلام قد تواتر العمل به عند علماء الإسلام فالذي يشك في كفر المشركين مثل اليهود والنصارى والمشركين المجمع على كفرهم فهو كافر مثلهم ولا كرامة، أما المسلم المرتد عن دينه فلا يقال عنه أن من شك في كفره فهو كافر مثله، إلا إذا كان نوع الردة التي وقع فيها وعلمت من الكفر والشرك المغلظ مما لا يشك في كفره مسلم عاقل.
وهنا قصة عجيبة جد رهيبة ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - قال فيها: قصّة المختار بن أبي عبيد الثّقفي وهو رجلٌ من التّابعين مصاهر لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه مظهر للصّلاح، فظهر في العراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل ابن زياد، ومال إليه من مال لطلبه دم أهل البيت مِمَن ظلمهم ابن زياد. فاستولوا على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وكان هو الذي يصلي بالنّاس الجمعة والجماعة، لكن في آخر أمره زعم أنّه يوحي إليه؛ فسيّر إليه عبد الله بن الزّبير جيشًا، فهزموا جيشه وقتلوه، وأمين الجيش مصعب بن الزّبير، وتحته امرأة أبوها أحد الصّحابة، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت. فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها، فكتب إليه: إن لم تبرأ منه فاقتلها، فامتنعت فقتلها مصعب [1] .اهـ (مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب -(4/ 45) / مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم)
وأختم بهذا النقل المؤصل لهذه القضية الكبرى من قضايا أحكام النواقض والمكفرات المخرجة من الملة، للشيخ الجليل عبد العزيز الطريفي - يحفظه الله ويرعاه - حين شرحه لهذا الناقض قال فيه: وخلاصه هذا الناقض: أن الكافر بالله تعالى لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون كافرًا أصليًا كاليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، فهذا كفره ظاهر جلي، ومن لم يكفِّره أو شك في كفره أو صحح مذهبه فقد كفر وخرج من ملَّة الإسلام بذلك، وهو داخل فيما ذكرناه فيما سبق.
الثانية: أن يكون مسلمًا فارتكب ناقضًا يخرجه من الإسلام، مع زعمه ببقائه على إسلامه، فإن كان ما ارتكبه من النواقض صريحًا ومحل إجماع عند أئمة الإسلام كمن استهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم أو سبَّه أو جحد شيئًا معلومًا من دين الإسلام بالضرورة فلا يخلو الممتنع من تكفيره من حالين:
الأولى: أن ينكر أن يكون ما وقع فيه ناقضًا من نواقض الإسلام، فهذا حكمه حكمه بعد قيام الحجة عليه.
الثانية: أن يُقرَّ بكون ما وقع فيه ناقضًا من نواقض الإسلام، لكنه احترز من تكفيره لاحتمال ورود العُذر عليه، فهذا لا يَكفر.
وإن كان ما ارتكبه من النواقض محل خلاف عند أئمة الإسلام كترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، فهذا لا يكفَّر أيضًا، والله أعلم. اهـ (الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام -(صـ / 15) - تفريغ وتصوير موقع الألوكة)
(1) المرأة هي عمرة بنت النعمان بن البشير إحدى زوجات المختار الثقفي، والقصة ذكرها الطبري في التاريخ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، وابن كثير في البداية والنهاية. والذهبي في السير.