الصفحة 72 من 178

يُحكِّمُوك: أي يجعلوك حكمًا، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي: اختلف واختلط من أمورهم والْتَبَسَ عليهم حُكمه، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض، {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} قال مجاهد: شكًّا، وقال غيره: ضِيقًا، {مِمَّا قَضَيْتَ} قال الضحاك: إثْمًا، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: وينقادوا لأمرك انقيادًا. اهـ (تفسير البغوي -(2/ 246) - طـ / دار طيبة)

وقال الإمام العماد ابن كثير الدمشقي - رحمه الله: وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . اهـ (تفسير ابن كثير-(2/ 349) - طـ / دار طيبة)

وقال الإمام أحمد الجصاص الحنفي [1] - رحمه الله: وقال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . فأوعد على مخالفة أمر الرسول، وجعل مخالف أمر الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به والشاك فيه خارجا من الإيمان بقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} قيل في الحرج ههنا إنه الشك, روي ذلك عن مجاهد. وأصل الحرج الضيق, وجائز أن يكون المراد التسليم من غير شك في وجوب تسليمه ولا ضيق صدر به بل بانشراح صدر وبصيرة ويقين. وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم, وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان. اهـ (أحكام القرآن للجصاص -(2/ 267) - طـ/ دار الكتب العلمية)

وقال الإمام ابن حزم الأندلسي - رحمه الله: فنص تعالى وأقسم بنفسه أن لا يكون مؤمنًا إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عن، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجًا مما قضى فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به. اهـ (الفصل في الملل -(3/ 235) - طـ/ دار الجيل)

(1) هو العلامة الكبير والمفسر النحرير أحمد بن على الرازى المكنى بأبي بكر اشتهر بلقب الجصاص ولد عام (305 هـ) ، وهو أحد فرسان العلم والعلماء حنفي المذهب، انتهت إليه إمامته في عصره في بغداد، له رحلات في طلب العلم، من أشهر شيوخه الكرخي المعروف، ومن أشهر طلبته عبد الله الجرجاني المشهور، له مؤلفات عدة من أشهرها أحكام القرآن والكتاب النافع الفصول في الأصول الشهير بأصول الجصاص، كانت وفاته رحمه الله عام (370 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت