الصفحة 71 من 178

وقد تعلمون أن الأمر يطول جدا إذا ما أردنا أن نسهب في الكلام على هذا الأمر، ولكن أشير إلى آية عظيمة في كتاب الله تعالى تفض النزاع إن شاء الله، وكل مضامينها أيضا تصب في موضوع هذا الناقض من نواقض الإسلام والإيمان، وهذه الآية الكريمة هي قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

فهذه أصول ثلاثة تتعلق كلها بتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا التحاكم إليه في حياته وبعد موته، كلها شرط في قبول الإيمان وصحة عقده عند الله تعالى، فإذا عدمت، أو فقد واحد منها ولم توجد في المسلم انتفى الإيمان وارتفع، وحل محله الكفر والعصيان.

• الأصل الأول: تحكيمه في حياته، وتحكيم شرعه من بعده في كل شيء.

• الأصل الثاني: انشراح الصدر لحكمه صلى الله عليه وسلم.

• الأصل الثالث: التسليم لحكمه ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، قبولا وانقيادا، محبة وتعظيما.

وإليك أخي المسلم طرفا من كلام مفسرين كبار، وعلماء يعدلون بأفضل الأنهار حول هذه الآية العظيمة، والتي فيها البيان بكل جلاء لبعض أصول الإيمان والإسلام، وكذا قضية الحكم والتحاكم، وحكم الإعراض عن حكم الله، وفيها بالخصوص مسألة تفضيل غير حكم الله ورسوله بأحكام الجاهلية.

قال الإمام محمد بن جرير أبو جعفر الطبري - رحمه الله: القول في تأويل قوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] . يعني جل ثناؤه بقوله: {فَلا} فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد، واستأنف القسم جل ذكره فقال: {وربك} ، يا محمد {لا يؤمنون} ، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} ، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقال: شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا، وتشاجر القوم، إذا اختلفوا في الكلام والأمر، مشاجرة وشِجارًا. {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت} ، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت، أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه. اهـ (تفسير الطبري -(8/ 518) - طـ / مكتبة ابن تيمية - بتحقيق العلامة أحمد شاكر)

وقال الإمام أبو محمد البغوي - رحمه الله: قوله تعالى: {فَلا} أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنُون ثم لا يرضون بحكمك، ثم استأنف القَسَم {وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} ويجوز أن يكون {لا} في قوله {فَلا} صلة، كما في قوله {فَلا أُقْسِمُ} حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت