وأوجب الكفر بهم كما هو جلي في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا} [النساء: 60] .
وأختم هنا بمسائل أربع أحسبها تشفي وتكفي -والله أعلم - هي في الحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شريعة الله:
• المسألة الأولى: كل من حكم بغير ما أنزل في الفروج والأموال والدماء والأعراض وغيرها بغير ما أنزل الله فهو الطاغوت، ولا يستثنى من هذا إلا العالم المخطئ في التحليل أو في التحريم المستند خطاه إلى الدليل وهذا خاص في مسائل العمليات. ويكفر العالم متى ما حكم بغير ما أنزل الله محرما الحلال أو محللا الحرام المجمع عليهما متعمدا متبعا في هذا أميره أو هواه [1] . قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ... أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتد باتفاق الفقهاء. اهـ (مجموع فتاوي ابن تيمية -(3/ 267)
وقال أيضا - رحمه الله - وغفر له: ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة. اهـ (مجموع فتاوي ابن تيمية -(35/ 373)
• المسألة الثانية: كل من تحاكم إلى المحاكم التي تحكم بغير الكتاب والسنة تعمدا و ... اختيارا منه فهو كافر مرتد عن الدين ولو زعم أنه مسلم ما لم يتب من شركه هذا، ولا فرق في هذا بين قضية واحدة أو مجموع قضايا، والحق أن تكفير هؤلاء عينا عندنا لابد فيه من دعوتهم إلى التحاكم إلى الله ورسوله، فإن حصل منهم القبول والانقياد فذاك الإيمان بعد الكفران، وإن كان غير ذلك فذاك الكفر بالله والنفاق الأكبر الذي في القلب. وهذا - والله اعلم - ما تقتضيه سياق الآية التي قال الله تعالى فيها مخبرا عن مثل من ذكرنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60، 61] .
(1) ومن هذا القبيل ما جرى لبعض العلماء في هذا العصر ممن ساندوا بعض الحكام العرب الخونة في دعوتهم لما سمي بوحدة الأديان والحوار والتقارب بينها.