الصفحة 86 من 178

• المسألة الثالثة: كل من شرع حكما أو أحكاما حلل فيه ما حرم الله تعالى، أو حرم فيه ما أحل الله تعالى فهو الطاغوت الكافر بعينه، قد أعطاه الله اسما آخر مذموما فوق اسم الطاغوتية وهو الربوبية المزعومة من دون الله، ولا فرق في هذا فيمن فعل هذا فألزم به نفسه أو فيمن فعل هذا وألزم الناس به. قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] . والأرباب من دون الله في الآية هنا هم الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى - أي علماؤهم - من الذين حرموا على الناس كثيرا مما أحل الله لهم، وأحلوا للناس كثيرا مما حرم الله عليهم، فما كان إلا أن سماهم الله أربابا لأجل إعطائهم أنفسهم بعضا من خصائص الربوبية الحق من التحريم والتحليل، والتي هي لله وحده دون سواه، وهو ما يطلق عليه إجماعا عند العلماء بالتشريع، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] . فالواجب على الأمراء والمتعين على العلماء والمطلوب من عامة الناس: إقامة شرع الله فوق أرض الله بما شرع الله، وذلك بتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله، والسير على هذا علما وعملا وصدقا، و قبولا، ومحبة، وتعظيما، وانقيادا. فليس لأحد سوى الله سلطان على أحد، {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 13 - 16] . وما علمنا أن هناك من هو خارج عن مسائلة الله له يوم القيامة حتى الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والتسليم، قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] . و قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] . وتأمل معي وتدبر كلام الله المحكم المتين مخبرا به وهو الخبير العليم: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 116، 117] . فياويل العلماء الذين يخالطون الأمراء والسلاطين الطغاة الذين هم حقيقة أرباب من دون الله، يزينون لهم باطلهم ويسكتون عن تشريعاتهم الكفرية الشركية، وعن فرعونيتهم العصرية، ويدعون المسلمين إلى طاعتهم وترك بغضهم و تكفيرهم زاعمين زورا وبهتانا أنهم ولاة أمر تجب طاعتهم ويحرم الخروج عنهم، حتى قال قائل من كذبتهم: من تكلم فيهم ولو بكلمة سرا كانت أو جهرا فهو من الخوراج الذين يجب قتلهم. فالله المستعان

وإني لأقف طويلا متعجبا متفكرا من حال غالب علماء زماننا، وذلك أنهم هم الذين صاروا اليوم تبع للمشرعين مع الله من الحكام، والرؤساء، والملوك، والأمراء بعكس ما كان الناس عليه سابقا من أن الغالب من أتباع المشرعين مع الله من العامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت