الصفحة 87 من 178

الدهماء يكونون تبعا في الطاعة الشركية للأحبار والرهبان والعلماء كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] . . فيا سبحان الله

• المسألة الرابعة: يغلط كثير من العلماء والدعاة ممن أشربت قلوبهم شبهة الإرجاء القبيح والمذموم شرعا وعقلا، فلا ينقحون مناط التكفير في قضايا الحكم والتحاكم، ومن ثم يخلطون بين التشريع العام وما فيه من نواقض مكفرات، وبين الحكم في قضية فرعية أو أخرى مع الاستقامة على أصول الحكم والتحاكم، والحق واضح في هذا وذاك، وذلك أن تشريع شرع آخر مناقض لشرع الله مناط مكفر لوحده، والتحاكم إلى شرع غير شرع الله مناط آخر مكفر لوحده، والحكم بغير ما أنزل الله بشرع مناقض لشرع الله مناط آخر كذلك مكفر لوحده. وإرادة الحكم بغير ما أنزل الله، كراهة أو تسوية أو استحسانا مناط مكفر لوحده، وبهذا نخرج بأربع مناطات تعد من نواقض الإيمان والإسلام بلا مدافعة، وبالتالي يتحصل لنا الحكم على الناس بالعدل، وهذه الأربع كالتالي:

• الأولى: التشريع العام أو الخاص المناقض لشرع الله.

• الثانية: التحاكم إلى غير شرع الله تعالى، كالتحاكم إلى القوانين الدولية.

• الثالثة: الحكم العام بغير ما أنزل الله بأي شيء كان غير شرع الله تعالى.

• الرابعة: الحكم بغير ما أنزل الله في القضية أو الواقعة كراهة لحكم الله، أو تسوية له بغيره، أو استحسانا لغيره.

وبهذا يظهر لك جليا منشأ الخطأ العظيم عند كثير من علماء عصرنا ممن تكلموا في قضايا الحكم والتحاكم، فإنهم لم يفرقوا كما نفرق وإنما تكلموا عموما منزلين القضية الرابعة على القضايا الثلاث المذكورة آنفا، دون تفصيل في هذا كله، ومن هؤلاء العلماء من يتعمد إضلال الناس بهذا، ومنهم من أجمل هنا وفصل هناك [1] ، ومنهم

(1) قال ابن عثيمين - رحمه الله: فمن شرّع للناس شرعا سوى شرع الله، ورأى أنه أحسن من شرع الله وأنفع للعباد، أو أنه مساو لشرع الله، أو أنه يجوز ترك شرع الله إليه; فإنه كافر لأنه جعل نفسه ندا لله عز وجل، سواء في العبادات، أو المعاملات، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ; فدلت الآية على أنه لا أحد أحسن من حكم الله، ولا مساو لحكم الله; لأن أحسن اسم تفضيل: معناه لا يوجد شيء في درجته، ومن زعم ذلك; فقد كذّب الله عز وجل. وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية 44] ، وهذا دليل على أنه لا يجوز العدول عن شرع الله إلى غيره، وأنه كفر. فإن قيل: قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: من الآية 47] . قلنا: قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء:60، 61] ، وهذا دليل على كفرهم; لأنه قال:"يزعمون أنهم آمنوا"، وهذا إنكار لإيمانهم; فظاهر الآية أنهم يزعمون بلا صدق ولا حق. فقوله صلى الله عليه وسلم"وإليه الحكم"يدل على أن من جعل الحكم لغير الله; فقد أشرك. فائدة: يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع الذي يجعل نظاما يمشي عليه، ويستبدل به القرآن، وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله; فهذا قد يكون كفرا أو فسقا أو ظلما. فيكون كفرا إذا اعتقد أنه أحسن من حكم الشرع أو مماثل له. ويكون فسقا إذا كان لهوى في نفس الحاكم. ويكون ظلما إذا أراد مضرة المحكوم عليه، وظهور الظلم في هذه أبين من ظهوره في الثانية، وظهور الفسق في الثانية أبين من ظهوره في الثالثة. اهـ (القول المفيد على كتاب التوحيد -(2/ 265) - طـ / دار ابن الجوزي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت