والآيات الكريمات في بيان هذا الأمر كثيرة جدا في القرآن العظيم، وفي السنة الشريفة الصحيحة لا يتسع المقام لسردها كلها.
فإذا تقرر هذا وعلم، فاعلم أن الله تبارك و تعالى قد أوجب على أهل الإيمان أن يجانبوا ويفارقوا من كان على هذا النحو من السخرية والاستهزاء كيلا يكون حكمه حكمهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] . فشرط الإيمان بغض أولئك المستهزئين بالدين وأحكامه، ومفارقتهم، وإعلان العداوة لهم، و إظهار النكير عليهم، وعدم اتخاذهم أولياء مع المؤمنين.
قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] . وقد سمى الله المستهزئ هنا في هذه الآية كافرا، وكذا سمى من قعد معه دون نكير أو مفارقة منافقا. ومناط الحكم على الإنسان المسلم بالنفاق الأكبر هنا هو ظهور الإقرار بهذا، ويكون بترك الإنكار عليهم. فمن مات على هذا دون توبة صحيحة مستوفية لشروطها الأصيلة فهو في نار جهنم. عياذا بالله
وأما الدليل الذي ذكره المصنف - رحمه الله - مدرجا مع الناقض فتمامه في السياق القرآني قول الله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64 - 66] .
وفي هذا دليل قطعي وحكم عام محكم في أن المستهزئ بشيء من القرآن، أو بشيء من السنة، أو الذي يستهزئ بالله تعالى، أو برسوله، أو بآياته، أو بأحكامه، أو بعقابه، أو ثوابه كافر مرتد بعينه، إذ الاستهزاء بالذي ذكر كفر أكبر مجرد، ثم لزيادة البيان والاستدلال على كفره يقال: هذا المستهزئ بالذي مر تسطيره قلبه خال من تعظيم وتقدير الله ورسوله وآياته وأحكامه وأمره وأخباره، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] .
و قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .
والتعظيم ضده الاحتقار والاستخفاف، والاستهزاء والسخرية من علاماته الظاهرة والقاطعة على فساد القلب وخلوه من التعظيم والمحبة والتوقير لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كما مر معك سايقا.