الحكم بالضمان، والتي هي الغاية أو الحكمة أو المصلحة أو المقصد من تشريعه. وذلك عن طريق استثمار القاعدة الأصولية القائلة بشرطية كون سبب الحكم (( مَظِنَّةً ) )للحكمة التي شُرع من أجلها، أو بعبارة أخرى، شرط تحقُّق الحكمة غالبا في السبب الذي أوجب الحكم. قال الآمدي رحمه الله تعالى: (( إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما قررناه، فشرطها أن تكون ضابطَ الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه، بحيث لا يلزم منه إثبات الحكم مع تيقُّن انتفاء الحكمة في صورة، وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا. وهو ممتنع ) ) [1] . ودليل هذه القاعدة أمران، كما يُستفاد من كلام الشاطبي، رحمه الله تعالى:
(( الأول: أن أصل السبب قد فُرض أنه لحكمة، بناء على قاعدة إثبات المصالح، كما هو مبين في موضعه، فلو ساغ شرعه مع فقدانها جملةً لم يصح أن يكون مشروعا، وقد فرضناه مشروعا. هذا خلف.
والثاني: أنه لو كان كذلك لزم أن تكون الحدودُ وُضعت لغير قصد الزجر، والعبادات لغير قصد الخضوع لله، وكذلك سائر الأحكام. وذلك باطل باتفاق القائلين بتعليل الأحكام )) [2] .
فعن طريق هذه القاعدة يمكننا النظر الدقيق في الفعل المختلَف في التضمين به، هل هو محلٌّ لتحقق حكمة الضمان أو، على الأقل، مظنة لتحققها أم لا. فإن كان محلا أو مظنة لها أوجبنا الضمان على فاعله وإلا فلا. وبذا يمكننا وضع ضوابط ومحددات، من خلال الحكمة، تحكم سبب الضمان، وتخلصه، إلى حدٍّ ليس بالهين، من عموم أوصافه المغرقة في المرونة وعدم الانضباط.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن القول بلزوم كون سبب الحكم مظنة لحكمته ليس هو موضوع التعليل بالحكمة المختلف فيه عند الأصوليين. فالتعليل بالحكمة هو إناطةٌ للحكم مباشرة بحكمته من غير توسط السبب كمن ينيط حكم الفطر في السفر بالمشقة لا بالسفر أو المرض فيبيح للمقيم الصحيح الفطر في حالة حصول مشقة غير معتادة له، كأن يكون أُجهد في عمل ما أو غيره. أما مسألة اشتراط كون
(1) الآمدي: سيف الدين علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1404 هـ، ج 3، ص 262. ومصطلح العلة في عبارة الآمدي آنفة الذكر أوسع من السبب إذ هي تشمل العلة بمعنى السبب الظاهر المنضبط الموجب للحكم كالسفر الموجب لإباحة الفطر، وكذلك تشمل العلة بمعنى المعنى المناسب الذي يترتب على الحكم، كالسكر اللازم عن شرب الخمر الموجب لتحريمها.
(2) الشاطبي، الموافقات ج 1، ص 250.