الزحيلي حين قال: الضمان: (( هو الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال أو ضياع المنافع، أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الإنسانية ) ) [1] .
يُنسب إلى الغزالي، رحمه الله، القول بأن الضمان هو: (( واجب ردِّ الشيء، أو بدلِه، بالمثل أو القيمة ) ) [2] . وهو في هذا عرّف الضمان بذات الحكم الذي أنشأه، وهو الإيجاب في الإطلاق الأصولي أو الوجوب في الإطلاق الفقهي. وقال البركتي: (( الضمان: عبارة عن رد مثل الهالك إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيميّا ) ) [3] . وعرَّفت المجلة الضمان بأنه: (( إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات
(ص 123)
أو قيمته إن كان من القيميات )) [4] . ونلاحظ على هذين التعريفين أنهما لم يعرفا الضمان بحكمه الذي هو الإيجاب، كما فعل الغزالي، وإنما عرفاه بمتعلق حكمه من فعل المكلف وهو الرد أو الإعطاء للمثل أو القيمة.
وكلا الاتجاهين في تصوير حقيقة الضمان قد جانب الصواب فيما نرى، وذلك لأن الضمان ليس هو خطابا للشارع حتى يُعرَّف بذات حكمه وهو الإيجاب، كما صنع الغزالي. ثم إن الضمان واقع وثابت في ذمة المكلف إذا سبَّبَ ضررا للغير قبل أن يقوم بعملية الرد أو الإعطاء للمثل أو القيمة. وعليه لا يصح تعريفه بكونه نفس الرد أو الإعطاء للمثل أو القيمة كما فعل البركتي.
والذي نقوله، وهو المنسجم مع اللغة والشرع والمنطق: إن الضمان (( التزام ) )، أو قل: (( انشغال للذمة ) )، ناجم عن خطاب الشارع أو حكمه بوجوب تعويض الغير عما أُلحق به من ضرر بإعطائه المثل أو القيمة. وبهذا نجد أن الضمان نفسه
(1) الزحيلي، نظرية الضمان، ص 15.
(2) نقله عن كتابه (( الوجيز ) )الزحيلي، نظرية الضمان، ص 14. وقد رجعت للوجيز فلم أجد التعريف بنصه في مظانه من الكتاب، فالله أعلم به.
(3) البركتي: محمد عميم الإحسان المجددي، قواعد الفقه، الصدف ببلشرز، كراتشي، ط 1، 1407 هـ=1986 م، ص 359.
(4) جمعية المجلة، مجلة الأحكام العدلية، تحقيق نجيب هواويني، كازخانة تجارت كتب، ص 80، المادة 416.