الصفحة 20 من 39

ابن حجر، رحمه الله تعالى [1] . ومن هنا، كان الحديث مشكلا على مذهب الفقهاء، إذ إنهم لا يضمِّنون ما لم يكن مثليا إلا بالقيمة. وعليه، كان ما حكاه البيهقي متوجها بأنْ ليس في الحديث ثمة تضمين بل عقاب.

(ص 129)

وبالإمكان مناقشة هذه الاعتراضات الواردة على أدلة الضمان جميعها بالقول: إن العبرة هي لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وبالتالي فلا يسلَّم تخصيص عموم هذه الأدلة بالسياقات المقالية والحالية المحتفة بها.

لكن، مع ذلك لا يمكننا الاعتماد على هذه الأدلة ـ وهي موضع جدل ـ في استنباط حكمة الضمان.

المقصد الثاني

مسلك المناسبة وحكمة الضمان

وإذا لم يفلح مسلكا النص والإيماء في الكشف عن حكمة الضمان، فلا بد من اللجوء إلى مسلك المناسبة، والذي هو مُعوَّل الفقهاء في معظم تعليلاتهم [2] . ومن خلال الخوض في استخدام هذا المسلك ستتضح لنا معالم نظرية الضمان ومحدداتها.

فبالنظر العقلي يبدو لنا أن المعنى المقصود من مشروعية الضمان هو واحد من الاحتمالات الثلاثة الآتية:

1.إما مجرد زجر الناس عن إلحاق الأضرار بالآخرين، وذلك لأن علم الشخص بترتب تعويض مادي عليه نتيجة لفعله الضار ـ عامدا كان أو غير عامد ـ سيجعله متحرزا عن هذا الفعل، وعن الأفعال التي قد تفضي إليه،

(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 5، ص 150.

(2) قال الزركشي في (( المناسبة ) ): (( هي من الطرق المعقولة، ويُعبر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد، ويُسمى استخراجها تخريج المناط لأنه إبداء مناط الحكم. وهي عمدة كتاب القياس وغمرته ومحل غموضه ووضوحه ) ). وقيل في تعريف الوصف الناسب: (( هو الملائم لأفعال العقلاء في العادات ) ). وقيل: (( هو ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضرا ) ). وقال الدبوسي: (( هو ما لو عُرض على العقول تلقته بالقبول ) ). انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت