الصفحة 34 من 39

المطلب الثالث

النتائج المترتبة على القول بالحكمة المختارة للضمان

الحكمة المختارة للضمان هي، كما أسلفنا، الجبر والزجر معا، فيما عدا الإصابات البدنية بالفعل الخطأ. ويترتب على القول بها أمور:

(ص 138)

أولا: لا نراه يصح شرعا القول بإلغاء عنصر الخطأ أو التعدي كوصف أساسي من أوصاف سبب الضمان، والاعتماد على وصف الضرر وحده بإلقاء مسئولية الضمان، لا على المخطئ، وإنما على الجهة الأكثر قدرة على تحمله كالدولة أو المؤسسة أو المصنع.

ولكن يمكن، كحل وسط، أن ننقل عبء إثبات الخطأ أو عدم الخطأ إلى المؤسسة أو المصنع في حالة حدوث ضرر مالي بسبب أحد العمال؛ لأنهم في العادة أضعف قدرةً على إثبات خطأ المؤسسة، أو إثبات عدم حصول خطأ من قبلهم، كما أنهم أضعف قدرة على دفع أجور المحامين. ومستند ذلك هو نفسه مستند تضمين الأجير المشترك الذي قال به الصحابة ومن بعدهم، وهو المصلحة العامة، وحفظ الحقوق.

ويمكن كذلك التوسع في أنظمة التكافل الاجتماعي، والتأمين التعاوني كعنصر رديف للضمان ـ لا بديلا له [1] ـ في جبر أضرار المتضررين.

هذا في حكم الضمان عموما، وأما فيما يتعلق بضمان الإصابات البدنية خاصة، والتي تحدث عن طريق الخطأ فحسب. فنراه من الجائز، بل ربما المحبَّذ، إيجاد تنظيم ـ كالنظام النيوزيلاندي مثلا ـ يُحمِّل الضمان لجهة أكثر قدرة على تحمله، كالمصنع، أو المؤسسة، أو حتى الدولة. لا سيما أن نظام العاقلة في

(1) إذا قلنا بجواز عقد التأمين، بالقيود الشرعية، فإنه يجدر أن يكون ضمن هذه القيود ما يحدد مجال التأمين بما عدا الأضرار الناجمة عن الأخطاء البشرية المتعمدة وغير المتعمدة ـ فيما عدا الإصابات البدنية طبعا ـ وذلك لأن إجازة التأمين في مثل هذه الحالة ستدفع الناس إلى التهاون وقلة التحرز عن الخطأ، إذ سيكون التأمين المفتقِد ـ إلى حد بعيد ـ لمعنى الزجر رافعا وبديلا عن حكم الضمان المتضمن لهذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت