الصفحة 35 من 39

هذا العصر لم يعد فعالا. وذلك اقتفاء بسيدنا عمر، رضي الله عنه، إذ نقل الدية من العاقلة إلى أهل الديوان لما ذكرناه من المعنى.

والمسوِّغ المصلحي لما قلناه من أولوية عدم إلغاء الخطأ، واعتباره وصفا جوهريا في الأفعال الموجبة للضمان، هو ما يولده اطراحه من روح اللامبالاة، وعدم الاكتراث، من قبل العمال والتابعين، وبالتالي كثرة الأخطاء والأضرار. وهو ما لا يرغبه الشارع. هذا فضلا عن أن أصحاب المؤسسات والمصانع سينقلون تكلفة الضمان التي يتحملونها عن العمال نتيجة لأخطائهم، إلى المستهلكين عن طريق رفع أسعار السلع والخدمات. وبالتالي سيكون المتضرر الأول والأخير هو مجموع الناس، لا هؤلاء الأغنياء من ذوي رؤوس الأموال. وتضرر الناس هذا لن يكون نتيجة خطأ منهم. وإنما نتيجة خطأ من غيرهم. وهذا مجاف للمنطق والعدالة.

الأمر الثاني: في مجال التضمين ـ فيما عدا الإصابات البدنية ـ لا نراه من الصواب إيجاب الضمان على أي شخص، لا يتحقق فيه ركنا الخطأ المادي والمعنوي كلاهما، لأنه إذا غاب أي عنصر من هذين العنصرين لم يتحقق الزجر الذي هو مقصود من الضمان تبعا كما قررنا.

والركن المادي للخطأ يتحقق بأمور:

1.أن يكون الفعل الذي ترتب عليه الضرر محظورا. كمن يسرق مالا للغير ثم يتلفه، فعليه الضمان.

(ص 139)

2.أن يكون الفعل الذي ترتب عليه الضرر في نفسه وظاهره، جائزا، سواء، أكان مكروها، أم مباحا، أم مندوبا، أم واجبا، لكن صحبه من الظروف والملابسات والقرائن ما دل على أن صاحب الفعل:

أ. كان متعمدا لإلحاق الضرر بالغير. كمن يحفر بئرا في أرضه في جهة ما منها، ويقوم الدليل على أنه قصد بذلك سحب الماء الذي في بئر جاره.

ب. أو كان مقصرا أو مهملا أو غير متخذ للاحتياطات التي يتطلبها الوضع الطبيعي. كالنائم يقع على الشيء فيتلفه، أو كالمضطر بفعل نفسه كما سبق لنا توضيحه، أو كالسائق الذي يُلحق الأضرار بالآخرين لسرعته أو لعدم إجرائه ما يلزم عند القيادة. أو كالمجاهد في سبيل الله يرمي رصاصته فإذا هي في ظهر مجاهد آخر كان قد حمل على صفوف المشركين.

ج. أو هو في مظنة إحدى النقطتين السابقتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت