وأما الركن المعنوي للخطأ فيتحقق بالإدراك وأقله التمييز، وعليه لا نرى القول بتضمين الصبي غير المميز وكذا المجنون في مطلق الأحوال صوابا، بل الذي يضمن هو وليهما إذا كان في مظنة الإهمال أو التقصير من حيث رعايته لهما، أما إذا لم يكن مهملا أو مقصرا فحينئذ يمكن التخلي عن ركن الإدراك والتمييز، والقول بضمان الصبي والمجنون صونا للأضرار عن الهدر.
الأمر الثالث: الذي يترتب على القول بأن حكمة الضمان هي الجبر والزجر معا.
يبدو لنا فيما يتعلق ببعض المسائل التي اختلف الفقهاء في حكم الضمان بشأنها كما أوردناها في المبحث الأول من هذه الدراسة:
1.أن لا ضمان على الضرر المنجبر تلقائيا، كمن قلع سنا لحيوان أو إنسان فنبتت أخرى محلها، لأن إيجاب الضمان في هذه الحالة لن يحقق عنصر الجبر، إذ الجبر حاصل، بل يحقق الزجر فقط، ولم يُشرع الضمان لأجل الزجر فحسب. وفي هذه الحالة يجب التعزير فقط.
2.أنه يجب ضمان منافع المغصوب على الإطلاق، لأن في مثل هذا الأمر تحقيقا لوصفي الجبر والزجر معا.
3.وكذلك يجب الضمان على المتعسف في استعمال حقه، لكن بأحد شرطين:
الأول: ثبوت نية الإضرار لديه، ولو ظنا.
والثاني: أن يكون فعل المتعسف في استعمال حقه بحيث ينسب إلى التقصير في التحرز عن إيقاع الضرر على الآخرين حتى لو لم تتوافر لديه نية الإضرار. فمن أشعل نارا في أرضه في وقت هبوب ريح فطارت شرارة وأحرقت أرض جاره مقصر؛ لأن الوضع الطبيعي يقتضي منه التحرز عن إشعال
(ص 140)
النار في وقت هبوب الريح. أما لو أشعل نارا في أرضه لمقصد صحيح ولم يكن في الجو ريح لكن هبت زوبعة فجأة فنقلت شيئا من النار إلى أرض جاره فلا ضمان.
وقيدا نية الإضرار، والتقصير أو مظنته، ضروريان في إيجاب الضمان في مثل هذه الحالات بناء على تقريرنا لحكمة الضمان لأن فقدهما يؤدي إلى إيجاب الضمان