الصفحة 33 من 39

وأما قولهم: بأن الفقهاء، إذ ذكروا الضمان فإنما قرنوه بحكمة الجبر، ولم يذكروا معه الزجر.

فالجواب عنه: أن ذلك إنما كان تغليبا للمقصد الأصلي من الضمان وهو الجبر، ثم إن ذكرهم للجبر إنما كان أكثره في باب دية الخطأ، وقد أسلفنا بأن لهذه الدية خصوصية ما، ثم إن بعضهم ذكر الزجر كحكمة للضمان: قال ابن عابدين فيمن جرح غيره فبرئ جرحه: (( قال أبو يوسف: عليه أرش الألم. وقال محمد: عليه أجرة الطبيب وثمن الأدوية، وهو رواية عن أبي يوسف، زجرا للسفيه، وجبرا للضرر ) ) [1] . وعلى كل تقدير فليست الحجة في نصوص الفقهاء ـ وإن كانت نصوصهم فوق الرأس والعين ـ وإنما لقول الله تعالى، ولقول رسوله، صلى الله عليه وسلم، ولما يدل عليه الدليل المعتبر.

والذي نخلص له بعد كلِّ ما سبق: هو أن حكمة الضمان، بالسبر الأصولي، إنما هي ـ فيما رجحناه ـ مجموع وصفي الزجر والجبر على أن الجبر مقصود أولا والزجر مقصود تابع. وهذا فيما عدا ضمان الإصابات البدنية بالفعل الخطأ، فالمقصود بضمانها هو الجبر المحض.

(1) ابن عابدين: الحاشية، ج 6، ص 586.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت