وأما غير المميز، ومثله المجنون، فتضمينهما مُشكِلٌ حقا. ولكني أقول: قد نلتزم القول بعدم ضمانهما كما هو رأي جماعة من السادة المالكية قياسا لهما على الدابة العجماء [1] . وحتى لو التزمنا القول بضمانهما كما هو رأي الجمهور ـ وهذا هو الأسلم ـ فيمكن القول باستثناء هذه الحالة من حكمة الضمان استحسانا؛ لأنا إذا أسقطنا الضمان عنهما وعن وليهما إذا لم يثبت تقصيره فحينئذ سنجعل الضرر، وهو إما في المال أو البدن، مهدورا، مع أن العدل يقضي بأن يتحمل كل إنسان نتيجة فعله إذا كان قادرا على تحملها، كما هو في حال الضمان الذي يجب في مال الصبي والمجنون إذا كان لهما مال، ويدفعه من مالهما الولي.
(ص 137)
وأما المخطئ والنائم، فالزجر في حقهما ليس في مقابلة الفعل الضار نفسه، لأن إثمه مرفوع شرعا، وإنما على ترك التبصر أو الإهمال في أخذ الاحتياطات قبل القيام بالفعل الضار أو أثناءه. ومن هنا اشترط الفقهاء في تضمين المعتدي أن يكون فعله بحيث ينسب إلى الإهمال والتقصير عرفا، أو على الأقل أن يكون فعله مظنة لهما، كما لا يخفى ذلك على من طالع ما يوردونه من أمثلة توجب الضمان.
وأما قولهم: بأن الضمان وجب على المضطر وليس هو آثما ولا معتديا حتى يستحق الزجر.
فالجواب عنه: أن هذا ليس متفقا عليه؛ إذ قد ذهب البعض إلى أن المضطر لا يضمن، وعليه فالمسألة في محل الاجتهاد. وفضلا عن ذلك أقول: حتى مع القول بتضمين المضطر فإن ذلك لا يتنافى وحكمة الزجر. وذلك؛ لأن المرء لا يُدخل نفسه، غالبا، في مواطن الضرورة إلا نتيجة لقلة التبصر والنظر في العواقب قبل حصول هذه الضرورة. وعليه، فالمضطر في مظنة التقصير، ومن هنا وجب عليه الضمان زجرا عن تقصيره هذا. وبذا يُدرك سر تفريق أكثر الفقهاء بين المضطر بفعله ـ كمن يزلق في النهر فيمسك بشجرة لينجو فيتلفها ـ وبين المضطر بفعل غيره ـ كدافع الصائل ـ حيث أوجبوا الضمان في الحالة الأولى دون الثانية، لأن المضطر بفعله في مظنة التقصير، وأما المضطر بفعل غيره فليس كذلك كما قلنا.
(1) انظر: الدسوقي: محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، تحقيق محمد عليش، دار الفكر، بيروت، ج 3، ص 296.