الصفحة 31 من 39

خلاف قياس باقي المضمونات فلا يصح الاستمساك بها في القول بأن حكمة الضمان مطلقا هي الجبر المحض. ثم إنه قد ثبت أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يضمِّن عاقلة قاتل نفسه خطأ كما في صحيح البخاري [1] . وما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أولى بالقبول مما روي عن عمر، رضي الله عنه. ومع هذا فإنك لا تعدم مخرجا فقهيا لفعل عمر هذا؛ لأنه من الممكن القول: إن عمر، رضي الله عنه، كلفهم دية المقتول من باب التكافل لا من باب الضمان. وتقديرُه التكافل بقدْر الدية إنما كان قياسا على ما يجب في القتل الخطأ عموما. وهذا نوع من القياس الشَّبَهي يستخدمه الفقهاء في بعض الأحيان. والله أعلم.

? وأما قولهم: بأن جماهير الفقهاء أوجبوا الضمان على الصغير، والمجنون، والمخطئ، والنائم. فسأجيب عن ذلك، حالة حالة. ومن خلال الجواب سيظهر لنا أثر حكمة الضمان، كما قررناها، على الأفعال الموجبة له عموما:

أما الصغير، وهو من لم يبلغ سن البلوغ فقسمان: مميز، وغير مميز.

فأما المميز: فإيجاب الضمان عليه في ماله لا ينافي الزجر ولا ينقضه لأنه من أهل المؤاخذة عموما لأن له إدراكا. وهو إن لم يكن من أهل الحدود والقصاص، فقد نصَّ الفقهاء على مؤاخذته تأديبا في غير ما موضع [2] . وإنما قلنا بتضمينه مع أن إدراكه ناقص لأنا افترضنا بأن المقصود الأصلي هو الجبر، وتابعية الزجر تتأتى مع الإدراك الناقص.

(1) قال البخاري، كتاب الديات، باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له، (6496) ، حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة، قال: خرجنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر. فقال رجل منهم: أسمعنا يا عامر من هنيهاتك فحدا بهم. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من السائق؟ قالوا: عامر. فقال: رحمه الله. فقالوا يا رسول الله هلا أمتعتنا به. فأصيب صبيحة ليلته. فقال القوم: حبط عمله قتل نفسَه. فلما رجعتُ وهم يتحدثون أن عامرا حبط عمله، فجئت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: يا نبي الله، فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا حبط عمله. فقال: كذب من قالها. إن له لأجرين اثنين، إنه لجاهد مجاهد، وأي قتل يزيده عليه. وانظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 12، ص 227.

(2) انظر مثلا: الحطاب: محمد بن عبد الرحمن المغربي، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، دار الفكر، بيروت، ط 2، 1398 هـ، ج 5، 374.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت