الصفحة 30 من 39

والمال صورة ولا معنى )) [1] ـ ولهذا احتاج الأمر إلى آلية تضمن سرعة الدفع والثقة به كبحا لنفوس أهل القتيل وتخفيفا مباشرا لمصابهم، فكانت الدية على العاقلة.

ومن الدليل، أيضا، على تميز حكم ضمان النفس عن باقي المضمونات، أن الشارع أوجب على القاتل خطأً، بالإضافة إلى الدية، الكفارة، ولم يوجبها في فعل آخر من موجبات الضمان. وما ذلك، في رأيي، إلا تتميما للزجر الذي فات في الضمان بتحمل العاقلة له.

وفوق هذا كله، فإن الأصوليين إذا أرادوا أن يمثلوا لما ورد على خلاف القياس مثلوا لذلك بتحمل العاقلة للدية، قال إلكيا الهراسي: (( ومنه [أي من المعدول به عن سنن القياس] الدية على العاقلة، فإنها أثبتت على خلاف قياس المضمونات، وكل قياس يتضمن إبطال هذا الاختصاص مردود ) ) [2] . وقال العز بن عبد السلام: (( وأما النفوس فإنها خارجة عن قياس جبر الأموال والمنافع والأوصاف؛ إذ لا تجبر بأمثالها ولا تختلف باختلاف الأوصاف في الحسن والقبح والفضائل والرذائل، وتختلف باختلاف الأديان والذكورة والأنوثة، فيجبر المسلم بمائة من الإبل، والمسلمة بخمسين من الإبل، ويجبر اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم، وتجبر اليهودية والنصرانية بسدس دية المسلم، ويجبر المجوسي بثمانمائة درهم، والمجوسية بأربعمائة درهم، ولا عبرة في جبر الأموال بالأديان، فيجبر العبد المجوسي الذي يساوي

(ص 136)

ألفا بألف، ويجبر العبد المسلم الذي يساوي مائة بمائة؛ لأن المجبور هو المالية دون الأديان )) [3] .

ومن المفروغ منه أصوليا أن الوارد على خلاف القياس لا يرد نقضا على العلل ولا يجوز الاستمساك به [4] . فوهن بهذا البيان الدليل الأساس للقول بحكمة الجبر المحض.

? وأما قولهم: بأن عمر، رضي الله عنه، قد أوجب دية قاتل نفسه خطأ على عاقلته. فيُجاب عنه بما سبق، وهو أن دية القتل الخطأ بالذات ثابتة على

(1) السرخسي: أبو بكر محمد بن أحمد، أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفا الأفغاني، دار المعرفة، بيروت، 1372 هـ، ج 1، ص 57،58.

(2) نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 96.

(3) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج 1، ص 56،57.

(4) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت