الصفحة 29 من 39

بمصالح العباد أن أوجب بدلَه على من عليه موالاة القاتل ونصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك. وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم ... وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإن هذا أسير بالدية التي لم يتعمد سبب وجوبها، ولا وجبت باختيار مستحقِّها ... وليست قليلة، فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها. وهذا بخلاف العمد؛

(ص 135)

فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلا أن يحمل عنه بدل القتل. وبخلاف شبه العمد؛ لأنه قاصد للجناية متعمدٌ لها، فهو آثم معتد. وبخلاف بدل المتلف من الأموال، فإنه قليل في الغالب لا يكاد المُتلِف يعجز عن حمله. وشأن النفوس غير شأن الأموال ... والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه الشارع من الحقوق لبعض العباد على بعض، كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، وليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذا لون وذاك لون. والله الموفق )) [1] .

وما تضمنه كلام ابن القيم هذا ـ وقد سبقه إليه شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى [2] ـ من أن وجوب دية القتل الخطأ على العاقلة لا على القاتل، بخلاف ضمان باقي المتلفات، إنما كان لارتفاع قيمة الدية بخلاف ضمان باقي المتلفات من الأموال في الغالب، ليس دقيقا؛ إذ هو معارض بكون الفقهاء لم يجعلوا على العاقلة دية النفس فحسب، بل وكذلك دية ما دون النفس ـ إذا كان إتلافها خطأ طبعا ـ مهما قلَّت قيمتها عند الشافعي، وإذا بلغت ثلث الدية عند مالك وأحمد، وإذا بلغت نصف العشر عند أبي حنيفة [3] . وبهذا نجد أن الحكمة من تضمين العاقلة دون القاتل لا تعود إلى ارتفاع قيمة الدية فحسب كما يمكن استخلاصه من كلام ابن القيم، بل وإلى ما ذكرناه من تميز الإصابة البدنية بأنها لا تعوض، وأن مال الدنيا كله لا يساوي فقدان النفس أو جزء منها ـ قال السرخسي: (( إنه لا مماثلة بين الآدمي

(1) ابن القيم: محمد بن أبي بكر الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه سعد، دار الجيل، بيروت، 1973 م، ج 2، ص 36،37.

(2) انظر: ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وتحقيق عبد الرحمن العاصمي، مكتبة ابن تيمية، 20 ج، ص 553.

(3) انظر في ذلك: الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي، المهذب، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 211. والبهوتي: منصور بن يونس بن إدريس، كشاف القناع عن متن الإقناع، تحقيق هلال مصيلحي، دار الفكر، بيروت، 1402 هـ، ج 6، ص 62. وابن عبد البر، الكافي، ص 595. والكاساني، بدائع الصنائع، ج 7، ص 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت